الجمعة , أغسطس 17 2018
الرئيسية / أخبار / اخبار منوعة / هذا استقال فمتى تستقيلون؟ – محمد هرار

هذا استقال فمتى تستقيلون؟ – محمد هرار

أعلن وزير الخارجية الدّانماركي “السيد ويلي سويندال” (Villy Søvndal) يوم الثلاثاء العاشر من شهر ديسمبر الحالي، رغبته ثمّ أتبعها بقراره القاضي بالتخلي عن منصبه كوزير للخارجية، وعن عضوية البرلمان الدّانماركي. وقد أبلغ بذلك كلّا من رئيسة الحكومة السيدة  “هيلي ثورننغ شميت” (Helle Thorning-Schmidt) ورئيسة حزبه السيدة “أنيتا ويهلمسن” (Annette Vilhelmsen) وجميع أعضاء هيأة الإدارة في وزارة الخارجية. وقد اتّخذ الوزير قراره النّهائي بناء على نصائح الأطباء الذين سهروا على علاجه إثر النوبة القلبية التي تعرض لها. فقد أجريت له عملية  في أواخر شهر أكتوبر من العام الحالي. ورغم أنّ الفحوصات قد أظهرت أنه على ما يرام بعد العمليّة المذكورة، إلّا أنّ ثقل أعباء وزارة الخارجيّة وكثرة أنشطتها وشعور الوزير بالمسؤوليّة جعلته يختار لها بانسحابه الاختياري الخادم لبلاده غيرَه…
ويقول الوزير “ويلي”، (مع بعض التصرّف)، موضّحا موقفه بكل شجاعة وجرأة وشفافيّة: لقد أوصى الأطبّاء ناصحين بعدم استعمال أقصى سرعة كما كنت من قبل في أداء مهامي، واقتناعا منّي بأنّي لن أقوم – والحال هذه – بنصف العمل المطلوب منّي القيام به على رأس وزارة الخارجية، ونظرا لأهميّة الوزارة وقيمة مهامّها وحساسيتها آخذ هذا القرار الثقيل على نفسي، معتقدا أنّه الأصحّ والأصلح ليس فقط لي ولأسرتي، ولكن للدّانمارك، حكومة وشعبا، وخدمة كذلك لحزبي، حتى لا أتولى وزارة بنصف أداء أتحمّل في كلّ الحالات مسؤوليته.
يضيف الزوير قائلا: لقد كنت سعيدا للغاية بمهام وزير الخارجية وإنّه لشرف لي للعمل كلّ يوم مع القضايا العالمية الكبرى، التي تؤثر على الدّانمارك والدنماركيين وتتأثّر بها وبهم، بل لقد كان ذلك نافذة ممتازة للعمل مع الكثير من النّاس الموهوبين والمتفانين في الداخل والخارج…إنتهى كلامه.

خبر قد لا يكتسي الكثير من الأهميّة في بلاد الغرب الدّيموقراطي، ولكنّه استوقفني ثمّ ساح بي أو أنا سحت به في بلادي العربيّة أرقب فيها مسؤولين كبارا قد تمسّكوا بمناصبهم حتّى ما عاد يجدي معهم طلب الموت لهم… تمنّيت أن يقتدي رؤساؤنا ووزراؤنا بهذا الرّجل وبأمثاله يقبلون بالرئاسة والوزارة للأداء والعمل فيها لا للرّاحة والنزهة والإستجمام  بها والاستفادة منها. يقبلون الوظيفة طالما كان لهم بها طاقة وقدرة ونشاط، ويسلّمونها مختارين مكرَمين غير منبوذين، كلّما تراجعت تلكم الطاقة والقدرة والنشاط. تماما كما فعل هذا الوزير الدنماركي الذي كان همّه خدمة بلده من أجل خدمة الإنسان الدّانماركي. فإنّه لم يخَفْ على بلاده بترك منصبه ظنا منه أنه وحيد زمانه في التسيير كما يفكر بعض زعماء العالم العربي. بل خاف عليها إذا استمرّ هو في منصبه بأداء حدّت منه وصايا الأطبّاء باجتناب الجهد الإضافي… ألا أحزن وأنا أرى ببلادي العربيّة صورا باهتة لا تقدّم ولا تؤخّر ولا تتحرّك ولا تتكلّم قد لبث لها الموت بالباب يرقبها فألجمها بالخوف وهم مع ذلك لا يقلعون عن التشبّث بلقب الزّعيم أو العميد أو فريد عصره وزمانه دون أن يفكّروا في مصلحة بلدهم أو حزبهم أو قومهم!… ألا أحزن وأطبّاؤنا – خدّام النّفاق – لا ينصحون كما ينصح الأطبّاء هنا في الغرب، ولا يصارحون حكّامنا بسوء حالهم وتراجع إمكانياتهم منذ العشر الأوائل من حكمهم!… ثم، ألا يجوز لي ومع هذا أن أحلم متمنّيا أن يصبح همّنا في البلاد العربيّة والإسلاميّة خدمة الإنسان، فإنّه السبب الوحيد الذي به تجاوَزَنا الغرب وارتقى، وإنّه متى اعتمدنا ذلك استطعنا اللّحاق بمن سبقنا، بل لعلّنا تجاوزناهم، ذلك أنّ القيمة التعبّديّة التي سوف تصبح عندنا في خدمة الإنسان كما يوصي بذلك ديننا الحنيف سوف تجوّد العناية بهذا الإنسان… وعسى أن يكون ذلك قريبا يوما ما.

ليكون لنا عودا على بدء، لنطرح السؤال مجددا: ذاك إستقال، فمتى ستستقيلون؟! 

محمد هرار
الدنمارك

عن admin