الجمعة , سبتمبر 21 2018
الرئيسية / مقالات / مقالات ادبية / ملكة صنعت الاف الملكات – المهندس ياسر طبيشات

ملكة صنعت الاف الملكات – المهندس ياسر طبيشات

بعد أن قابلت الملكة كما ذكرت سابقا .. تغيرت في أشياء كثيرة … وعرفت لماذا لم يكن هنالك صحابة الا في عصر محمد (ص) … وعرفت أن الشعب الذي عاصر هذة الملكة وعائلتها على مدي مئات السنوات … لابد وانة أنجب مئات الملكات . وهذة واحدة ………………………………………..
كنت أسير في احدى حدائق كوبنهاجن في الدنمارك في صيف عام “1976″ … أتمتع بجمال الأشجار التي تغطيها وسحر البحيرة في وسطها … وأتسلى بحبة أيس كريم ملفوفة بورق السلفر … جلست على مقعد أمام البحيرة … وفي المقعد الخلفي تجلس عجوز تجاوزت الستين من العمر تتمتع هي أيضا برائحة العشب الأخضر والمناظر الطبيعية الخلابة… وعند أنتهائي من حبة الأيس كريم وقفت ورميت بورقة السلفر حيث أجلس وسرت نحو بيتي الذي يبعد عن الحديقة اكثر من كيلو مترين … كان سيري وما يزال سريعا … وما أن وصلت واخرجت مفاتيحي لأفتح الباب حتى شعرت بأحد يمسك بكتفي ويقول : أيها الشاب ! نظرت خلفي فأذا بها العجوز تلهث من التعب وتقول : تفضل هذة ورقتك !
عندها شعرت بالخجل وعرفت أن كل التبريرات التي تعودت عليها في وطني لتبرير الأخطاء لن تنفع هنا
وأن قيمة الأنسان بما يحملة من قيم صادقة حتى ولو كانت هذة القيم يشوبها نوع من الجهل والتخلف …فلقد شعرت بتلك اللحظة أنني وجها لوجهة أمام مايسمى بصراع الثقافات او الحضارات … وأن الحقيقة يجب أن تظهر حتى ولو كانت مرة كالعلقم … فصمت لبرهة وقلت لها : تفضلي بالدخول …قالت : لا.. شكرا…قلت : لا بل ستدخلين فهناك حديث طويل بيني وبينك وانا ضيف جديد في هذا البلد فيجب أن تسمعيني …قالت : حسنا وادخلتها الى البيت واجلستها وقلت لها : ماذا تشربين ! قالت : لاعليك .. اجلس وتحدث … ماذا تريد أن تقول …. فجلست مقابلها … ولا اعرف من أين أبداء … وقلت :
أشكرك على مافعلت … ربما هذة أول مرة أقول لأحد شكرا …ففي قريتي لا أحد يقول : شكرا.. وعفوا … وأذا بتسمح … وصباح الخير ومساء الخير … والخ …. فهذة كلمات لاتتناسب وثقافة القرية التي عشت بها …لربما لأننا نشعر بضعف أمام النطق بها في مجتمع طبيعتة حادة وقاسية … أستغربت ماقلت وقالت : ماذا تعني : …فأجبت : أثني عشر عاما قضيتها على مقاعد المدرسة نقف أحتراما للمعلم كلما دخل الصف …وطوال هذة السنوات لم يعلموني ماتعلمتة منك في نصف ساعة …تبسمت وقالت : هذا مضحك .. قلت ماهو مضحك لم أقلة بعد …قالت : وما ذلك ! …قلت حياتي بمجملها ! قالت : وماهو المضحك في حياتك أيها الشاب … فأجبت :
لي أربعة عشر أخ واخت من أم واحدة …فقاطعتني صارخة وكأنما انفجرت قنبلة … وقالت : وهل ماتزال أمك على قيد الحياة … قلت نعم وهي أصغر منك سننا …فضحكت عاليا … فبادرتها قائلا : مصنع بشري متنقل …قالت وهي ضاحكة بأعلى صوتها : لا…لا.. لا اصدق ذلك …وكيف تعتني بهولاء جميعا … قلت : على طريقة الحكومة في بلدي … قالت : ماذا… ماهي طريقة الحكومة في بلدك …قلت : الحكومة في بلدي عندما يريد منها المواطن خدمة يقدم لها أستدعاء حتى تنظر في طلبة والمواطن الذي لايقدم أستدعاء منسي هو وطلباتة … فأبي مشغول في عملة … وأمي تلبي الطلبات الملحة من أبناءها وتحل المشاكل التي تزعجها…أما الابناء الصامتون والذين لايرغبون في زيادة الطلبات فمنسيون … شعرت بغرابة ما أقول وهي ضاحكة …وقالت : هل لديها الوقت لتعتني بك فأنت مازلت صغيرا … فأجبت : أذكر في أحد الأيام وأنا في التاسعة من عمري انني شعرت بأن لا أحد من العائلة حتى أمي يعيرني الأهتمام أو يأبة بوجودي في البيت فقررت الرحيل … فصاحت قائلة : ياللطفل المسكين … فأجبت بنعم … وتابعت الحديث … لم أعرف الى أين أذهب… وقررت الأختباء فوق سطح الفرن الذي أسفلة خم الدجاج في بالمنزل وصعدت الى السطح وغطيت نفسي بحصيرة على السطح حتى لايراني احد … كل هذا وانا اشرح لها وافتح القواميس لأبحث عن الكلمات التي يستعصى علي شرحها …وهي تضحك وتقول : لم اضحك في حياتي مثلما ضحكت اليوم ! وقالت فماذا حدث… قلت : كنت مغطى بالحصيرة طوال اليوم وعيني تراقب الداخلين والخارجين من المنزل حتى شعرت بالنعاس فنمت … وعند المساء أستيقظت ونظرت الى الداخلين والخارجين للمنزل من أهلي عل أحدهم يسأل عني او يدعي بأنة لم يراني منذ الصباح …لكن لايبدوا أن أحدهم افتقدني طوال اليوم … لأن الأمور في المنزل كانت تسير بشكل طبيعي … وبدأت الشمس بالمغيب وبداء الظلام يلف المنزل فشعرت بالخوف ونزلت من على سطح الفرن محبط الشعور ودخلت البيت أمام أهلي عل أحدهم يسألني … أين كنت طوال اليوم ؟ لكن لم يسألني أحد ولاحتى أمي …عندها شعرت بأن علي أن أعيش مستقلا … لم تتوقف العجوز عن الضحك … فسألتها : هل تعتقدين بأن أمي لديها الوقت او الرغبة لتفعل مافعلت أنت اليوم ؟ وقد نسيت أبنها ….قالت بالطبع لا… قلت ولهذا جئت الى هنا لأكمل تعليمي ……وأنا أقول في نفسي …” كل هذا من أجل ورقة” .
قالت : حسنا ! اتعلم ماذا … قلت : لا …قالت: لقد تعلمت أنا أيضا منك في نصف ساعة مالم أتعلمة في حياتي … وانا أشعر بالسعادة لأنني تعرفت عليك… ومهما قلت فيبدوا أن لك معدن أصيل … هل تعلم أنني منذ سنوات لم أضحك مثلما ضحكت اليوم … كل شيء يستطيع أن يتعلمة الانسان بسهولة أذا توفرت لة البيئة المناسبة … ولكن من الصعب أن يغير الأنسان معدنة… وانا سأغادر الأن وارجوا أن نبقى على أتصال .
منذ ذلك التاريخ تغيرت نظرتي لكل شىء في حياتي … فالمرأة التي كانت عار في نظري …اصبحت عنوان الحياة ! .. حتى أنني وددت قطع يدي التي ضربت بها أختي الصغرى وأنا في وطني … واصبحت أنسانا ديموقراطي أكثر من أهل البلد أنفسهم لدرجة أنني صرت أنتقد الملكة لأنها استوردت أثاثا من فرنسا وهي لاتملك مالا لدفع جمرك هذا الأثاث … وعملت ليل نهار لاوفر مصاريفي ومصاريف دراستي … فكنت في نظر الدنماركيون أنفسهم مثالا يحتذى بة …حتى اصبح أهالي أصدقائي يشجعونهن على مصاحبتي ليتعلموا مني كيفية الاصرار على النجاح وتحقيق الهدف الذي جئت من أجلة … العرب ورثوا الحرية من بداوتهم ومن الصحراء وحرموا منها عندما أصبحت لهم دول ديكتاتورية… لكنها تعيش في داخل كل واحد منهم … والمواطن العربي الذي يقطع الأشارة الحمراء … لايقطعها جهلا وأنما تمردا على الواقع الذي يعيشة … بعد الربيع العربي لن يقطع عربي أشارة حمراء … وليس العربي من يعطى الحرية والديموقراطية على مراحل … أيها الأنظمة الفاسدة دعكم من أساليب المراحل وغربوا عن وجوهنا ……….
ماتت أمي بعد ثلاثة اعوام من هذا اللقاء وماتت العجوز بعد ثلاثين عاما بعد هذا اللقاء مع أنها أكبر من أمي وبقيت صحبتنا حتى وفاتها.

المهندس: ياسر طبيشات

عن admin