السبت , نوفمبر 25 2017
الرئيسية / مقالات / مقالات سياسية / محنة العراق ـ د.مهدي جابر مهدي

محنة العراق ـ د.مهدي جابر مهدي

يثير المشهد السياسي العراقي اليوم المخاوف والاسى في آن . فالتساؤلات كثيرة عن حقائق الامور – التي يضيع الكثير منها في تفاصيل الصراعات والازمات – وتداعياتها مع تحول البلد الى ملعب كبير نزلت اليه اطراف الازمة في تنافر لافت مقترن بتعمق الانقسام المجتمعي في المسارين العمودي والافقي ، القومي والديني ، الطائفي والمذهبي ، الاجتماعي والسياسي ، والثقافي والنفسي .  وتغذي ذلك الانقسام عوامل داخلية – كالاستبداد والفساد وفقدان الامن – وعوامل اقليمية ذات اجندات ومصالح مؤثرة ، وعوامل دولية – خاصة الامريكية – التي فشل مشروعها في تحقيق الديمقراطية التي ادعت انها جاءت من اجله بل وزاد الشك حول جديتها اصلا في ذلك التوجه .
أدى تفاعل هذه العوامل والتواطؤ بينها  الى الاخفاق الشامل  : فشل سياسي / فشل امني / فشل خدمي  ، وتراكم المشكلات بالارتباط مع تشابك المقدمات بالنتائج  والاليات مثل تحول الريع الى رشوة وفساد  ( المال السياسي ) لينتج عوائق جدية امام التحول نحو الديمقراطية ، خاصة مع تحول التوافقات السياسية الى محاصصات اثنو- طائفية جاءت بعناصر فاسدة  وضعيفة الى مركز صنع القرار ليتصدر المشهد اناس لا يملكون مؤهلات ادارة الدولة  واصبح همهم السلطة والحفاظ عليها  ، ليس من خلال المؤسساتية الديمقراطية وآلياتها وانما عبر الولاءات الضيقة من خلال عسكرة وتسييس الطوائف واذكاء العصبيات التي امتدت من النخب الى الى المجتمع  حيث تحولت الطائفة الى شكل من اشكال الاعتصاب الاجتماعي  وتوسعت الطوائفيات حتى اصبحت اوتكاد ، هويات بديلة تلغي وتطمس الهوية الوطنية  – التي هي اليوم في اضعف حالاتها – حيث التصعيد الطائفي ، وبروز الطائفية السياسية كلما كانت الحاجة ضرورية للتغطية على الفشل  ، ويترافق معها صعود متزامن  للعشائرية الساعية لتصدر المشهد عبر مقايضة الولاء بالمصالح …. كل هذا وغيره الكثير يذكرنا بما قاله ادونيس عن تحول السياسة الى شركات وتحول الدين والثقافة الى مجرد ادوات .
فالعراق بعد عشرة اعوام من سقوط صدام حسين ونظامه الدكتاتوري  ، ورغم ماتحقق من منجزات ومكاسب سياسية واقتصادية هامة ، يواجه تحديات جسيمة  على الصعيدين الداخلي والخارجي ، وفي المقدمة منها التحدي الامني ، وحصاد العقد المنصرم يؤشر سلسلة من خيبات الامل والاحباط منذ الاحتلال الامريكي للعراق في 2003 وهانحن في العام  2013 نجد ازمة نظام سياسي – ازمة حكم وازمة مجتمع ، ازمة نخب وازمة معارضة ، ازمة فكر وثقافة وازمة برامج ، ازمة انجاز وازمة شرعية – ومن كل ذلك  نصل الى ازمة دولة .
فالمصدر الاساسي لكل تلك الازمات يكمن في الصراع على السلطة والثروة والنفوذ وامتداداته الخارجية . كما  تؤكد مقدمات ونتائج ذلك الصراع ان الذي  سقط في 2003 ليس الطغيان وانما شكل من اشكاله .
والجرد السريع لبعض الممارسات توضح ذلك ومنها على سبيل المثال لا الحصر : هيمنة ثقافة التهميش والاقصاء والتكفير والتخوين والاتهامات المتبادلة وتغذية التحريض واذكاء الكراهية ( ويذكرنا ذلك بمقولة هوبس : حرب الكل ضد الكل ) وقادت هذه التوجهات الى الاحتقان السياسي والمجتمعي والى تقديم المزيد من القرابين البشرية خدمة للطبقة السياسية ودفاعا  عن مصالحها .
وجراء ذلك وصلت البلاد الى حافة الحرب الاهلية  بل ودخلت احيانا في اتونها  وهانحن اليوم نقف من جديد على مشارفها .
وبدلا من تحليل الاوضاع ونقدها والغوص في فهم اسبابها وتداعياتها ومعالجاتها ، حلت المواقف الجاهزة والانفعالية العالية والسرعة المفرطة في التخوين ، وكل ذلك يعبر عن اشكالية  في الثقافة السياسية للنظام السياسي والمجتمع . وكما يقول الكاتب اللبناني حازم صاغية في كتابه الجديد (الانهيار المديد ) : نشهد  وصول السياسة المصنوعة رسميا الى ذروة كارثتها  ، خصوصا وان  خطابها الايدلوجي اثبت ازمته في الجمع بين واقع متغير ومقولة ثابتة .
وبدلا من ان يتخذ المجتمع وقواه الحية موقفا رافضا لكل تلك الاوضاع  ، نجد الانسياق الجارف وراء المؤثرات العاطفية بفعل عملية تلاعب منظمة بالرموز –دينية / طائفية / قومية / حزبية / قبلية …. – وتوظيفها سياسيا  – ونجد الجماهير احيانا تتظاهر ضد نفسها – وهي مايسميها الدكتور فؤاد زكريا : محنة العقل –  وتسير تحت عواطف جياشة في اللاوعي عبر تحكم قوى النفوذ السياسي والمالي التي تعتمد هذه الوسائل كونها اسهل الطرق لاقامة جدار تحتمي به وتصرف الانظار عن مأزقها وعجزها عن تحقيق الامن والتنمية والاستقرار .
اللافت هنا ان النظام السياسي لم يعد يأبه  او يكترث للسقوط اليومي لضحايا الارهاب وبات ذلك مجرد مشهد يومي تتكرر صوره في الفضائيات  ، كما اصبح المجتمع متعايشا معه دون ارادته  وصولا الى انتهاك براءة الطفولة .
ولم نجد من يتحمل المسؤولية او يقف وقفة جادة ، يضاف الى هذا وذاك الانتهاكات المريعة لحقوق الانسان التي يتم ذكرها في بورصة المنافسات السياسية …  انه لمن المخيف حقا ان هذه الاوضاع تكاد تنسينا حجم الضحايا في عراق  كان حلمنا ان يكون آمنا ومزدهرا ومتسعا لكل ابنائه بعد زوال الطاغية صدام حيث ذاق العراق وشعبه الويلات خلال سني حكمه . واليوم اكثر ما يخيفنا هو الاحتمال السيء الذي رجحت كفته خلال نهاية العام المنصرم وبداية العام الحالي .
بعد هذا التوصيف السريع لمحنة العراق وللازمة والمأزق والاستعصاء – سموه ماشئتم – الذي تمر به العملية السياسية  ، يطرح سؤال الحل والافق والضوء في نهاية النفق … وبأعتقادي ان هذا السؤال وجوابه يخصان اولئك الذين يقفون خارج اطراف الصراع المتناحرة من سياسيين ومثقفين ومستقلين ورجال دين واحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني  وطاقات شبابية ونسائية  واعية لمصائر الشعب والوطن ، اضافة الى الصامتين من العراقيين من مختلف القوميات والاديان  – وهم بأعتقادي اغلبية – فالاغلبية الصامتة  تدرك عجز الطبقة السياسية وفشلها في بناء دولة جديدة تقوم على اسس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، دولة تكون لمجموع مواطنيها  .
فالمطلوب من هؤلاء ان يشكلوا تيارا شعبيا يعلنوا من خلاله موقفا رافضا لما يجري من تدهور وتداعيات خطيرة تهدد بما لا يحمد عقباه ، وان يضغطوا على الطبقة السياسية – القوى المتنفذة من كل الاطراف – واجبارها على الانصياع لصوت العقل والاحتكام الى مباديء الديمفراطية  ورفض الطرف والاقصاء والالغاء  والاحتكار والتمييز وتجييش المشاعر والكراهية  ونبذ استخدام القوة والتهديد باستخدامها  . وكل ذلك  على طريق صياغة عقد اجتماعي – سياسي جديد يقوم على الرضا لا على الاكراه ، يجسد حقوق المواطنة المتساوية في دولة تقوم بتعريف الناس بكونهم مواطنين لا بكونهم جماعات مغلقة  ، وتعتمد الديمقراطية كمنهج والية وقيمة تهيء الارضية المناسبة للتداولية السلمية عبر انتخابات حرة نزيهة ، وتحدد بوضوح طبيعة العلاقة بين السلطة واسلوب الممارسة على مستوى الافراد ، وطبيعة العلاقة بين السلطة والمؤسسة على مستوى المجتمع وتصويب الفهم المتعلق بالعلاقة بين السلطة والقانون وعلاقات القوة بين الناس ، والاعتراف بالتعدد والاختلاف .
بقي ان اشير الى ان الهروب الى الامام  – بأتجاه حل المؤسسات القائمة رغم عجزها ، واجراء انتخابات مبكرة – ليس حلا كافيا ، فذلك لا يؤدي الا الى اعادة انتاج الازمات  . والمطلوب  ان يسبق هذه الخطوات تهيئة الارضية السياسية والقانونية المناسبة واعادة جسور الثقة بين مكونات المجتمع .
وعسى ان نتعلم جميعا الدرس المهم  ، وهو ان نتقن اختيار من يمثلنا في مؤسسات الدولة عبر الانتخابات ، وان يدرك المواطن ان الصوت الانتخابي هو حق وبذات الوقت هو مسؤولية  ، وعند ممارسته  ينبغي ان لا نكون اسرى الولاء الضيق مهما كان ، بل ينبغي التوعية بفداحة المخاطر المحدقة الكامنة وراء التخندقات الضيقة  .
هذا هو الحل الافضل – وفق  رأيي –  لخروج العراق من محنته  ، فهل هو عصي على  التحقيق ؟ وهل هو دعوة غير واقعية  ام استجابة معقولة لواقع مأزوم  يبحث عن مخرج مناسب  يجنب البلاد والعباد الويلات والكوارث ؟
أسئلة اتركها برسم اجابة العراقين انفسهم ……

د.مهدي جابر مهدي
Sami_kald@yahoo.com

عن admin

شاهد أيضاً

نعم لحرية التعبير، ما اعتبرت الجميع على مسافة واحدة – محمد هرار

من منّا يكره الحديث، والإفصاح بكلّ حريّة وثقة في النفس عمّا يجول  في خاطره من …