الأربعاء , أغسطس 15 2018
الرئيسية / مقالات / مقالات ادبية / فنان من رحم الوجع – آمنة وناس

فنان من رحم الوجع – آمنة وناس

عندما تُواجه الصعاب بالإرادة، عندما تُهدم العراقيل بالإصرار، وقتها يولد الإبداع، و عندها تكون له السيادة، و ترفع راية الانتصار بالإجماع.
مهما تعصف الرياح الهوجاء، و تكثف دياجير الظلماء، مهما تبلغ الحوجاء و اللّوجاء، فبالتصميم كل الحواجز في انتفاء، لتشرق شمس الضياء. شمس أينعت أزهارها فأثمرت من طاول الثريّا بقوّة العزم و الناظم الذي سحر الألباب بحسن اللفظ و الفنان الذي بسق في عالمه أدواح اللون و الخطّ.
رغم ظروفه القاسية التي أقحلت الزرع و أرّقت العظم فإنه لم يكن زائغ عن طاعة إرادته و لا معتلّ بالهوان و الرضوخ بل ثابر ليشتهر بين الأنام حاله، فاقترن اسمه بالفن الجميل،  فنعتوه بالفنان، ليقيم لاحترافه الدليل في محاورة جمعته بالألوان، لتنساغ له كأنه الشيخ الجليل، و يبرع في تشكيلها بإتقان بين الهواية و الامتهان.
إنه الفنان التشكيلي الفلسطيني “خالد نصار”، من استوطن أرضه عدوّ غدّار و قُصفت طمأنينته برياح الانكسار، لكنه صرخ لا للانهزام، لا للاستسلام.
رغم السنون العجاف و ما أصاب العواطف من جفاف، اشتعل إحساسه و عقله لهيبا لقهر الخنوع و للاعتراف بأن صاحب الجرأة لن يخاف.
لا يمكن وصفه إلا بالمتحدي التي همّته لم تعرف الملل و اجتهاده دلّ على تربّعه على عرش الأمل، حيث مازال يقول ” الفلسطيني خلق من المعاناة والألم حياة تختلف بشكلها ومضمونها عن حياة الآخرين ولونها بألوانه الخاصة ولسان حاله ينشد.. إن عشت فعش حرا أو مت كالأشجار وقوفا”.
أحكمت عرى الصداقة و الألفة بين إحساسه و ألوانه فكان عمله خرزات نظم ناطقة بصمت انسياب اللون و الخط ليحكيا رحلته مع حرية مسلوبة و وطن مجروح مازال ينزف.
عصامي، ينطبق عليه قول الشاعر المصري “أحمد شوقي” ” شرف العصاميين صنع نفوسهم من ذا يقيس بهم بني الأشراف، قل للمشير إلى أبيه و جدّه أعلمت للقمرين من أسلاف”، فلقد ولد من رحم الوجع، لم تشلّه الحاجة بل جعلته في تطلّع، فاحتشد لصقل موهبته بما يدخل في إرادته و قناعته، فزيّنها بالتعلّم ليقدّم فنا لأسلوبه معنون.  
من منطلق تجربته، يتأيّد جليا المثل القائل “الحاجة أم الاختراع”، فأمام صعوبة ظروفه المادية و انحصاره بين مهود الفقر و حجور الإملاق، تولى صناعة كل مواد عمله الأوّلية، ليحذق تشكيل الألوان و صياغتها لتنافس بذلك أفخر الماركات العالمية. من هنا يثبت لنا هذا الفنان ما قيل “بأن المعارف و المخترعات و المكتشفات هي حسنة من حسنات الفقر و ثمرة من ثمراته و ما انفجرت ينابيع التّصورات الفنية إلا من طوع القلوب الكسيرة و الأفئدة الحزينة”.
إنه نبع بخواطره الناضجة و دواخله المشرقة و أهدافه السامية، فكلّما أجيل النظر في لوحاته يتبيّن مدى عمق أفكاره و ارتباطها بواقعه، فقد سخّر فنه ليعرّف بقضيته القومية و ما تعانيه الأراضي الفلسطينية، حيث كتب يقول ” فلسطين تسكنني وكلي أمل أن اسكنها كما جميع البشر الذين يسكنون أوطانهم، اسخر ريشتي وفني لتجذير تلك الأحاسيس في عقول وقلوب الأجيال القادمة”، فتميّز بجودة البضاعة في هذه الصناعة فكل مواضيع أعماله ترتاح لها الأفهام و تنزاح بها عن الذهن الأوهام و تكتب في سياقها الأقلام.
حكت أنامله الطرد و التهجير و الأمل في التغيير و التفاؤل بضوء منير لدرب مدلهّم رافعا رايته لا للإحن لا للمحن.
الفنان التشكيلي “خالد نصار”، رحلة انتصار لم تضنيها لا رياح الصرصر و لا الإعصار، مثّل نافذة نطلّ من خلالها على مثابرة شعب أبى الانصهار مع التراجع و التخاذل و أثبت أن المبدع قهّار لكل عسر و لكل عائق.

آمنة وناس ـ تونس

عن admin