الخميس , يونيو 21 2018
الرئيسية / مقالات / مقالات سياسية / علاقات حسن الجوار بين المغرب والجزائر إلى أين؟! – محمد هرار

علاقات حسن الجوار بين المغرب والجزائر إلى أين؟! – محمد هرار

لا أحد يتجاهل الخطأ الفادح بل القاتل الذي وقع فيه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أو هم بالأحرى أوقعوه فيه. خطأ أراه قد دق آخر مسمار في نعشه سياسيا. فالرجل مريض ـ نسأل الله العافية للجميع ـ ولا يقدر على الحركة إلا بواسطة كرسي متحرك، وهو إلى الشلل أقرب وإلى الجمود أكثر رغبة، ما يجعل في ظني المواقف تنسب إليه دون أن يقترفها. فهو عاجز عن الفعل والحراك والتفكير. ولم يعد ملمّا بتعقيدات السياسة، وهو غير قادر على الإمساك الحقيقي بدواليب الحكم في الجزائر… وقد جعلت حالته المعارضين في الجزائر يرفعون أصواتهم منادين بعزله مقترحين انتخابات مبكرة تستثني ترشّحه الذي نادى وينادي به المتملّقون!…


معروف أنّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من مواليد مدينة وجدة شرق المغرب التي تحد الجزائر، وقد كان عليه أن يراعي هذه الحقيقة فيكون حريصا على حسن الجوار فيُحسن لمن أحسن إليه، عملا بالنص القرآني: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)، بدل أن ينطلق بتصريحاته في أبوجا، مشكّكا في مساعي المغرب الحميدة السلميّة، باعتماد الحوار لأنهاء النّزاع الدائر حول الصحراء منذ ما يقارب نصف قرن معتمدا في ذلك على مختلف القنوات الدبلوماسية. كان خطابه عاكسا لطموحات الجنرالات والضباط في الجيش الجزائري وانتظاراتهم. طموحات قد لا يقع إشباعها إلّا بالسيطرة على دول المغرب العربي جميعها واحتوائها كهدف استراتيجي بعيد المدى وصولا إلى ضفة المحيط الأطلنطي التي حرم منها جغرافيا مثلا!؟. أم أنهم في حاجة إلى تراب جديد يضاف إلى ترابهم لضيق مساحة الجزائر؟!!. وقد كانت فحوى الرسالة التي وجهها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من جديد استفزازية، متمثلة في إثارة القضية الحقوقية من خلال إصراره على توسيع صلاحيات البعثة الأممية “المينورسو” في الصحراء – على حدّ وصفه هو- مع أنه وحكومته يعلمون يقينا أنّ المغرب في صحرائه وهو يدافع عن وحدة ترابه المغتصبة مع بداية الاحتلال الأول الإسباني لأقاليمه الجنوبية منذ سنة 1884، ثم من طرف الاستعمار الفرنسي للشمال فيما بعد أي منذ سنة 1912، إلى أن استقل. ولم يتوقف المغرب عن المطالبة برحيل الاحتلال عن بقية ترابه. وبفضل المقاومة البطولية والضغوطات التي مارستها الدبلوماسية المغربية النشطة آنذاك، صدر سنة 1975 الحكم صراحة لصالح المغرب من محكمة العدل الدولية بلاهاي (هولندا) بناء على وثائق تاريخ المنطقة ككل والترابط الوثيق واللصيق بين سكان الأقاليم الجنوبية وملوك المغرب منذ القدم، فاستعاد الجزء المحرر من الإسبان من خلال مسيرة سلمية خضراء للصحراء قوامها 350 ألف مغربي ومغربية وبتغطية إعلامية دولية، ما سمح للمغرب بمضاعفة جهوده الدبلوماسية الرسمية والموازية… لاستكمال مسيرة التحرير لما بقي من ترابه بما فيها مدينتي، سبتة ومليلية السليبتين وكذلك الجزر الجعفرية ثم المناطق التي تُناور حولها اليوم جارتنا وتدعم بكل قواها جبهة العاقين المطالبين بالانفصال عن الوطن الأم المغرب.لم يكن لأحد من قبل أن يُصدق حقيقة تبنّي الجزائر للمرتزقة، ولم يكن المغرب في البدء يودّ – رغم تأكّده من المعلومات – إشهار معرفة موقف الجزائر الواضح في دعمها اللامشروط، المادي واللوجيستي واحتضانها للمغاربة المارقين الانفصاليين المحاربين بالوكالة عنها المتخذين من مخيمات العار والشنار ملجأ ومخبأ لهم في “تندوف”، المنطقة التي يراها العديد من المتتبعين للشأن الحقوقي والإنساني ـ عبارة عن قارة لم تُكتشف ـ وهي في أمس الحاجة للمراقبة الأممية والحقوقية لما يجري فوقها من انتهاكات لحقوق الإنسان بالجملة. يذكر أنّ التماسا كهذا الذي تقدم به الرئيس الجزائري في أبوجا بل حلم كهذا، والذي كان قد اعترض عليه المغرب ورفضه بشدة، كما وأدانه المغاربة قاطبة شعبا وحكومة من طنجة إلى الكويرة سابقا عندما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية متمثلة في بعض الساسة المنحازين قصد الإضرار بالمغرب، وتقدمت به مندوبة الولايات المتحدة “سوزن رايس” لمجلس الأمن في أبريل من العام الجاري، وكانت الحجة والذريعة الواهية هي ضغوط “مركز كنيدي ومنظمات حقوقية أخرى تعمل في نفس السياق” إلا أنّ أبرز اللاعبين فيه كان هو المبعوث الأممي للصحراء “كريستوفر روس” لما أحدثه من سوء تدبير للملف الموكول إليه أمميا، والأخطاء المتعمدة التي وقع فيها، كاتهام المغرب زورا وبهتانا بعرقلة المفاوضات من خلال رسائل مغلوطة لا تعبرعن حقيقة الوضع في المنطقة…

ونحن عندما نتحدث عن التوتر الجزائري ومحاولة تصدير ونقل مشاكله وتخبطاته الداخلية إلى الخارج، وتحويل أنظار الشعب الجزائري الشقيق الذي يعيش حالة عدم استقرار أوضاعه سياسيا واقتصاديا في ظل احتمال انتقال نسيم الربيع العربي الذي لم يزهر لحد الساعة في كثير من دول المنطقة العربية وهو اليوم ـ متعثر ـ فقط في بعض البلدان وبخاصة في سوريا ومصر. إلا أننا كشعوب منطقة المغرب العربي الإسلامي نطمع للسلم والأمن وحسن الجوار نود كذلك أن تُقلب المعادلة تماما. وذلك حسب تصوري بدل أن يستمر الوضع على حالة لا حرب لا سلم تشبه الحرب الباردة المفضية إلى الاستنزاف، واستهلاك المال والجهد والطاقة والوقت في توتر لا ولن يخدم البلدين الشقيقين اللذين ما يجمعهما أكثر مما يفرقهما. ولا يجب الركون دائما إلى الشركاء والحلفاء التقليديين للبلدين ولا حتّى الثقة بهم أو الاعتماد عليهم، فإنّ التاريخ يؤكد يوما بعد يوم بما هو مشاهد في سوريا ومصر واليمن وحتى في ليبيا وتونس؛ بما لا يدع مجالا للشك أنّ الغرب لا يريد حلّا لمناطق النزاع خصوصا بين دول الجوار. بل على العكس تماما فإنّه يستمد قوته الاقتصادية وهيمنته السياسية للأسف من تلك الخلافات والنزاعات والتوتر.

لا بد وأن تتخلى حكومة الجارة الجزائر عن التفكير العتيق الدّاعم لعقلية الاستحواذ، وأن تكتفي بوحدة أراضيها ولا تطمع فيما ليس لها فيه حق من دول الجوار. هذه شروحات وجهة نظر مغربي يبسطها للحكومة الجزائرية وللشعب الجزائري العظيم الشقيق الذي نكنّ له كل الاحترام والود راجيا ومحاولا في نفس الوقت تمريرها عبر القنوات الإعلامية الشعبية لعلها تجد آذانا صاغية عند القنوات الرسمية.

أعتقد أنّ الكل قد أصبح يعرف موقف المغرب الراسخ في الدعوة للتفاوض والحوار المباشر والحقيقي مع الجارة الجزائر وجها لوجه أسوة بالتفاوض الذي يتم مع جميع دول العالم. في لقاء المصافحة والمصارحة والمصالحة، ليس فقط في قصية الصحراء فحسب، بل الدخول في تفاوض حول جميع الإشكالات والقضايا العالقة، الاقتصادية والسياسية والثقافية من خلال تفعيل الملف التجاري والثقافي، وإعادة النشاط السياسي والدبلوماسي المطلوب وفتح الحدود بين البلدين من أجل بناء مغرب عربي قوي وموحد على أسس التعاون والتبادل والتكامل والشراكة الفاعلة، كما يمكن بعد ذلك التطرق بكل هدوء لملف وقضية الصحراء. وهو الأمر الذي ترفضه للأسف الشديد رفضا قاطعا جارتنا ولا تقبله بأيّ حال من الأحوال!!، معللة موقفها بكلام غير مقنع على الإطلاق،: (إن كان هناك من حوار وتفاوض بالضرورة، فيجب أن يكون مع “جبهة البوليساريو”). أو هكذا أفهم؛ حاصرة ومضيقة علاقة البلدين العريقة والتاريخية في قضية الصحراء!. وهو ما يدفع للتساؤل: فمن يا ترى فوض “جبهة البوليساريو” للتحدث نيابة عن الصحراويين المغاربة المحتجزين في تندوف؟ أولئك مغاربة طال الزمن أو قصر. ثم أليس من العدل والإنصاف أن يُفرج عن المحتجزين الصحراويين في تندوف ليقولوا كلمتهم بكل حرية ومصداقية بعيدا عن الخوف والتهديد والاضطهاد؟ كما جرى مع المناضل ابن الصحراء الذي عمل ملازما أمنيا مع “جبهة البوليباريو”، مصطفى سلمى ولد سيدي مولود على سبيل المثال، الذي خرج ولم يعد بسبب التعبير الحر عن رأيه في المقترح المغربي القاضي بمنح الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا في إطار جهوية موسعة، مقارنا بين ما عليه الحال المزري والمخيف والمرعب في ـ تندوف ـ والتي هي اليوم أشبه بمعتقل الغولاغ ـ الذي عُد أكبر معتقل عالمي سوفياتي تم إنشاؤه سنة 1930 ـ مع الفارق في أحوال الطقس بين المعتقلين. والصورة الحقيقية في الأقاليم الصحراوية المحررة وما تشهده من تطور وتقدم ومشاريع تنمية على جميع الأصعدة… جعلت الرجل يقتنع تماما بالطرح المغربي الجاد المتمثل في مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب وحاز على إعجاب العديد من الدول المتحضرة وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا… وهو الآن بين يدي الأمم المتحدة للبث فيه وبالتالي إنهاء الصراع على قاعدة لا غالب ولا مغلوب

محمد هرار

عن admin