الخميس , نوفمبر 23 2017
الرئيسية / مقالات / مقالات سياسية / عاشوراء قضيّة إسلاميّة لا فئويّة – العلامة السيد محمد حسين فضل اللة رحمه الله

عاشوراء قضيّة إسلاميّة لا فئويّة – العلامة السيد محمد حسين فضل اللة رحمه الله

تركّز القاعدة الإسلاميّة القرآنيّة على أنّ الماضي هو مسؤوليّة الذين عاشوه وصنعوه، سواء في الدّوائر السلبيّة أو الإيجابيّة، وذلك قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}[البقرة:141]، فليس المجد التاريخي مجداً لنا بالمعنى الحركيّ للمجد، بل هو مجد الّذين صنعوه، وعلينا في الوقت عينه، أن لا نحمّل الآخرين مسؤوليَّة سلبيَّات التَّاريخ، فيما هو التَّوزيع بين فريقٍ وفريق، يرتبط أحدهما بفئةٍ تاريخيّةٍ تصارعت مع فئةٍ أخرى يرتبط بها الفريق الآخر.

وعلى هذا الأساس، لا يتحمّل الشيعة ـ في الحاضر ـ مسؤوليّة بعض السلبيّات الّتي عاشت في دائرة الخلاف السنّيّ الشّيعيّ في الماضي، ولا نحمّل السنّة المعاصرين مسؤوليّة ما جرى على الشّيعة سلبياً من قِبَل الذين التزموا المذهب السني في التاريخ، بل إنّ الشّيعة والسنّة اليوم يعيشون عصراً واحداً ومرحلةً واحدة، وهم مسؤولون عن حركتهم فيها، في الوقت الّذي تبقى هناك وجهات نظر في فهم الإسلام وحركيَّته، أو في تقديس هذا أو ذاك، مما يمكن أن يتحاور الجميع فيه من خلال آليّات الحوار.
وعلى ضوء ذلك، فإنّ من الخطأ اعتبار عاشوراء مناسبةً موجّهةً ضدّ السنّة من قِبَل الشّيعة، وخصوصاً أنّ يزيد لا يمثّل قيمةً إسلاميّةً سنيّةً ليُعتبر رفضه ضدّ القيمة، كما أنّ من الخطأ الانطلاق في إحيائها على هذا الأساس، فإنّ عاشوراء هي قضيّة إسلاميّة تعني المسلمين جميعاً، وليس المعنيّ بها فريق دون آخر…
وفي هذا الإطار، نحبّ أن نشير إلى الأسلوب العقلانيّ الّذي ركّزه القرآن الكريم في إدارة حركة الاختلاف، والّذي يقوم على اللّقاء على النّقاط المشتركة، والحوار في ما اختُلف فيه، لكي تكون عاشوراء حركةً في الوعي، لا حركةً في الانفعال، لأنَّ الإنسان عندما يفكِّر، فإنَّه يستطيع أن يفهم الواقع والأرض الّتي يقف عليها، والأجواء الّتي تحيط به، والأوضاع السياسيّة الّتي تتحرّك في العالم وتؤثّر فيه.
أمّا الانفعال، فإنَّه يجعلك تتحمَّس من دون أن تملك حتّى موقعك أو إرادتك أو موقفك.. نعم، نحن نحتاج إلى الحماس والانفعال، ونحتاج إلى أن نهتف ونصرخ، ولكن ـ قبل ذلك ـ لا بدَّ من أن نفهم لماذا نتحمَّس ونصرح ونهتف…

إن العاقل لابد أن يفكر في نتائج الكلمة قبل أن يطلقها، وفي أهداف العمل قبل أن يتحرك فيه، ولا يمارس حركة الخلاف من خلال السب واللعن على أساس تفجير الغيظ وتنفيس الحقد.. والسؤال هنا: عندما يفجر الشيعي غيظه ويسب مقدسات السنة، فهل سيتحول السني إلى التشيع؟ وهل عندما يفجر السني غيظه فينال من مقدسات الشيعة يكون في خط الدعوة إلى فكره وعقيدته؟ والله سبحانه قد ركز لنا خط التعاطي مع مقدسات أي فريق من الناس، فقال تعالى: (ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم)، فإذا سببت مقدسات الآخر فإنه سينطلق برد فعل ليسب مقدساتك. وقد استلهم الإمام علي عليه السلام هذه الآية وهو يوجه نقده لبعض جيشه وقد سمعهم يسبون أهل الشام الذين أتوا لحربهم، فقال: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم لكان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به)

إن علينا أن ننطلق في خط الوحدة الإسلامية التي لا تعني أن يتنازل كل فريق عن قناعاته، بل تعني أن يلتقي المسلمون جميعا على ما اتفقوا عليه، ويتعاونوا في القضايا المشتركة، ويتحاوروا في القضايا التي يختلقون فيها بطريقة علمية موضوعية، خصوصا عندما يعيشون في مناطق مشتركة تمثل نوعا من خطوط التماس المذهبية بشكل وبآخر، حيث قد ينطلق البعض ليجعلوا من بعض المناسبات (كعاشوراء) مسائل لإثارة النعرات المذهبية.

ولذلك حرمنا (من موقعنا الفقهي) على كل إنسان أن يرفع أي شعار يثير الحساسيات المذهبية، أو يتكلم بأية كلمة تصب في ذلك الإتجاه، مع المحافظة على أسلوب الحوار والجدال بالتي هي أحسن، لأننا نريد أن ننطلق جميعا من أجل قوة الإسلام، خصوصا في المراحل التي تمر بها أمتنا، والتي هي من أخطر المراحل على الإسلام والمسلمين في العالم أيا كانت مذاهبهم واتجاهاتهم.
لا نريد من طرح هذا العنوان الإيهام بأن عاشوراء تفتقد الصفة الإسلامية، بل نريد التأكيد على أن القضية الحسينية هي قضية إسلامية عامة، وليست قضية مذهبية خاصة.
لقد انطلقت كربلاء على أساس العناوين الإسلامية، وتمثل ذلك في الطروحات التي أطلقها الحسين عليه السلام كعنوان عريض لحركته، وفي المواقف التي تجسدت خلال المسيرة الحسينية حتى الشهادة.
كان عنوان الحركة هو الإصلاح في أمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك في قول الحسين عليه السلام: (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) على أساس قوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)، ومن الأمر بالمعروف أمر الظالم به، ومن النهي عن المنكر نهي الظالم عنه، ولو بالثورة في وجهه، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يكونان بالكلمة وقد يكونان بالموقف وقد يكونان بممارسة القوة بحسب ماتفرضه طبيعة الظروف والنتائج.
وقد رفض الإمام الحسين عليه السلام البيعة على أساس البرنامج الذي ركزه الإسلام لصورة الحاكم الإسلامي والخليفة، فقال (أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى منكم سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا بعهده، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان… فلم يغير ماعليه بقول ولا بفعل، كان حقا على الله أن يدخله مدخله) وكان هذا هو خط النظرية، أما خط التطبيق فأكده بقوله: (ألا وإن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير)، وقال في بعض كلماته وهو يؤكد موقع العزة ومعناها في شخصية الإنسان المؤمن: (لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد)، وقال: (ألا وإن الدعي ابن الدعي قد تركني بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، أبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون..) .

هذه هي بعض شعاراته، وعندما ندرسها نجد بوضوح أنها ليست شعارات المرحلة التي كان يعيش فيها لتكون المسألة مجرد مسألة غارقة في التاريخ، كما أنها ليست شعارات مذهبية فئوية، ولكنها شعارات الحياة كلها، وشعارات الإسلام في كل مواقعه.. فمن منا لا يلمح الإفساد والفساد السياسي على مستوى الحاكم والمحكوم وحركة الحكم؟ ومن منا لايرى الإفساد والفساد على مستوى الإستكبار العالمي والإقليمي والمحلي في كل مايريده الإستكبار من مصادرة لقضايانا المصيرية؟ ومن منا لايجد أن الواقع يعمل على إفساد الأخلاق الفردية والإجتماعية في داخل الفرد المسلم والمجتمع والأمة المسلمة، من خلال من يريدون المتاجرة بالأخلاق؟، ومن منا لم يرفض الواقع الذي يترك فيه الكثيرون من المسلمين عبادة الله، ويتركون فيه الصدق والأمانة والعفة والوفاء وما إلى ذلك من أصول الأخلاق الإسلامية في الوقت الذين يشهدون فيه أن (لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)؟ ومن منا لايرفض الكثير من مظاهر الإنحراف في حياتنا، والعلاقات الممزقة، والفتن التي تتحرك على مستوى الأفراد والعوائل والأحزاب والطوائف الإسلامية وما إلى ذلك؟ ومن منا لايرى في العزة القيمة الكبرى على المستوى الفردي أو الإجتماعي؟

كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام ثورة خاسرة من الناحية العسكرية، لكنها صدمت الواقع وهزت قواعده لكي تركز الخط الأصيل الذي يحفظ الحياة الإسلامية، ويؤكد العدل في داخلها، لأن الواقع كان قد وصل إلى مرحلة استرخى فيها تحت تأثير حكم يزيد، ولذلك انطلق الناس وهم يحبون الحسين ليحاربوه.. وبذلك كان الوضع الإسلامي مهيأ لأن يستمر الظلم فيه، ويحرك الناس كلهم في مواجهة كل دعوة للحق، وتؤدي مجاري الأمور إلى تقديم الكفر للناس باسم الإسلام..
ومن هنا فإن الحسين عليه السلام يمثل خطا ومنهجا وتجسيدا حيا للقيم الإسلامية والإنسانية في العزة والكرامة والمحافظة على استقامة المسيرة التي جعلها الله أمانة في أعناقنا جميعا، وفي محاربة الظلم والفساد، في كل عصر، أيا كانت العنواين التي يأخذها الظلم، أو الألوان التي يتزين بها الفساد، ويؤكد على أن الإصلاح في أمة رسول الله مسؤولية كل فرد من أفراد هذه الأمة، كل بحسب دوره وامكاناته في كل المجالات.
وفي كل ذلك كان يستهدي جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي حذر المسلمين من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنذرهم أنهم سيقعون في هذه الحال في مصائب كثيرة وبلايا عديدة، فقال (لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله شراركم على خياركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم) .

[من كتاب: نظرة إسلاميّة حول عاشوراء].
لسماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله رحمه اللة

عن admin

شاهد أيضاً

نعم لحرية التعبير، ما اعتبرت الجميع على مسافة واحدة – محمد هرار

من منّا يكره الحديث، والإفصاح بكلّ حريّة وثقة في النفس عمّا يجول  في خاطره من …