السبت , ديسمبر 16 2017
الرئيسية / مقالات / مقالات ادبية / ظاهرة نيلسون مانديلا – جودت هوشيار

ظاهرة نيلسون مانديلا – جودت هوشيار

تحول نيلسون مانديلا الى اسطورة حية ،عندما كان ما يزال على قيد الحياة و قبل رحيله بمدة طويلة ، وهذه حالة نادرة في التأريخ البشري تستحق الوقوف عندها طويلاً ,

زعماء العالم من الولايات المتحدة الأميركية الى الصين ومن بريطانيا الى اليابان ، ومن كندا الى روسيا و كثيرون غيرهم من  القادة والزعماء والمفكرين نعوا نيلسون مانديلا  كشخصية فريدة وظاهرة لن تتكرر في هذا العصر وربما حتى في العصور اللاحقة .

مانديلا لم يكن وطنيا ومناضلا عنيدا وحسب –  أسهم بقسط وافر في القضاء على نظام ” الأبارتهيد ” وانقاذ شعبه من براثن التمييز العنصري  الظلم والبؤس والشقاء –  بل أيضا زعيما سياسيا أخلاقيا تحلى بأسمى الصفات الأنسانية في زمن غابت فيه الأخلاق عن السياسة ، فلم تسكره نشوة الأنتصار للأنتقام من جلاديه ، بل انه بذل أقصى جهوده بعد وصوله الى السلطة في الدعوة الى قيم التسامح ونبذ الكراهية والمصالحة  في تناغم لم تعهده البشرية من قبل .

تخلى مانديلا عن السلطة و أعتزل السياسة بمحض أرادته وهو في أوج شعبيته وبعد أن حقق لبلاده وشعبه انجازات كبيرة في شتى جوانب الحياة . . فعلى سبيل المثال لا الحصر تم خلال فترة حكمه بناء ( 500 ) مستشفي وأكثر من  ( 750 ) ألف دار سكنية  . وبفضل انجازاته الأقتصادية واصلاحاته الأجتماعية ونضاله ضد سياسة التمييز العنصري حصل مانديلا على الأعتراف به كزعيم اصلاحي من طراز فريد على المستويين المحلي والعالمي .

ولد مانديلا في عام 1918 وتخرج في كلية الحقوق بجامعة جنوب افريقيا عام 1942 وانضم الى المؤتمر الوطني الأفريقي عام 1944 وتدرج في السلم الحزبي حتى اصبح بحلول عام 1949 احد قادة الحزب المرموقين واشتهر بنضاله الدؤوب ضد سياسة الفصل العنصري .اعتقل مانديلا في عام  1962وحكم عليه بالسجن سبع سنوات ، بيد أنه لم يتوقف لحظة عن النضال حتى من وراء اسوار السجن . وقد أتهمته السلطات بقيادة المقاومة الشعبية والكفاح المسلح واعيدت محاكمته مجددا  فصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد عام 1964 .

اكتسب مانديلا خلال فترة سجنه شهرة واسعة ونظمت في جمهورية جنوب افريقيا وفي ارجاء العالم حملات جماهيرية واسعة النطاق تطالب باطلاق سراحه واصبح بطلا قوميا ورمزا لكفاح الأغلبية السوداء في بلاده ، وقد أضطرت حكومة ” دي كليرك ” تحت ضغط المقاومة الشعبية والرأي العام العالمي الى اطلاق سراح مانديلا في 11 / 2 / 1990. وبعد خروجه من السجن بحوالي شهر واحد انتخب نائبا لرئيس الحزب ، ثم رئيسا للحزب في ايلول عام 1990 .

حصل مانديلا في عام 1993 على جائزة نوبل للسلام ، وفي عام 1994 أنتخب رئيسا لجمهورية جنوب أفريقيا بأغلبية ساحقة.

بعد أنتهاء فترة ولايته الأولى في عام 1999 رفض ترشيح نفسه لدورة ثانية وفضل الأبتعاد عن المعترك السياسي وتفرغ لحياته الخاصة .

زار مانديلا في أوائل عام 2000 السجن الذي أمضى فيه سنوات طويلة في جزيرة ” روبين ” وأشعل شمعة في الزنزانة الأنفرادية التي سجن فيها ، وعقب مغادرته المكان صرح للصحفيين قائلا : ” كان القرن الماضي مخيبا للآمال “

 

شخصبة متعددة المواهب :

كان مانديلا خطيبا مفوها يسحر السامع بفصاحته وكلامه البليغ. ويكفي الأطلاع على كلماته المؤثرة التي ألقاها دفاعا عن نفسه وحقوق شعبه عند محاكمته في عامي 1962 و1964 للأقتناع بأن مانديلا  كان أحد المع الخطباء في عصرنا الراهن . كما كان صاحب أفكار أصلاحية رائدة  تجلت في مؤلفاته ، وفنانا  مرهف الحس ، يبدع حتى في ظروف بالغة القسوة وهو في زنزانته الأنفرادية في سجن جزيرة ” روبين ” الموحشة .

مؤلفات مانديلا :

الأعتقاد الشائد ان السياسة والثقافة على طرفي نقيض ولكن ظاهرة مانديلا تثبت ان السياسي الأخلاقي  يمكن أن يكون في الوقت ذاته مفكراُ ومبدعا وأنسانيا الى أبعد الحدود .

اصدر مانديلا العديد من الكتب التي لقيت وتلقى رواجا كبيرا ، ولا أعرف على وجه الدقة عدد الكتب التي ألفها مانديلا ولكن  شاءت المصادفة أن أطلع على ثلاثة منها وهي كالآتي :

الكتاب الأول ” ليس ثمة طريق سهل الى الحرية ” ( 1965 ) والثاني ” أنا على استعداد للموت ” (1979 ) .اما الكتاب الثالث ، فأنه يتضمن مذكراته التي نشرها عام (  1994) تحت عنوان ” رحلة طويلة نحو الحرية ” .

 

مانديلا الفنانً :

في اكتوبر عام 2002 أقيم في لندن معرض فني تحت عنوان ” الأسود والأبيض ” عرضت فيه اللوحات الفنية التي رسمها مانديلا خلال السنوات الطويلة التي قضاها في السجن ( 1962 – 1990 ) .

اللوحات جميعها مرسومة بالفحم أو القلم الرصاص وتوجد بينها عدة لوحات تمثل المشهد الذي كان مانـديلا يطل عليه من خـلال شياك زنزانته عندما كان سجينا في جـزيرة  ” روبين ”  ، حيث قضى الجـزء الأكبرمن فترة سجنه . وقد خصص ريع المعرض لمساعدة اطفال جنوب افريقيا . وكان عنوان المعرض حافلا بالدلالات  ويمكن تفسيره على وجوه شتى ، علاوة على معناه المباشر ، الذي يشير الى ان اللوحات المعروضة مرسومة باللونين الأسود والأبيض أو بتعبير أدق ، باللون الأسود فقط .

 

مانديلا الرمز والقدوة :

رغم تخليه عن السلطة بمحض ارادته وتفرغه لحياته الخاصة وتقدمه في السن ، الا أنه كان دائب النشاط في سبيل السلام العالمي وخير البشرية  واسهم بفعالية في العديد من المؤتمرات والندوات العالمية والتي كانت تكتسب اهمية خاصة عند مشاركته في اعمالها ,

حظي مانديلا بأحترام العالم بأسره وتجلى ذلك بأبلغ صورة في مظاهر الحفاوة والتكريم التي قوبل بها في كل مكان , .وقد اغدقت عليه العديد من الدول الأوسمة الرفيعة ومنحته عدد من  أشهر جامعات العالم شهاداتها الفخرية . ولمانديلا  مكانة خاصة في قلوب الكنديين . وقد منحته الحكومة الكندية لقب المواطن الفخري في احتفال خاص اقيم في متحف الحضارة في هيلي بمقاطعة كيوبيك واطلقت وزارة التربية الكندية اسمه على احدى مدارس تورينتو , ومنحنه جامعة تورينتو شهادة الدكتوراه الفخرية في القانون .

كما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2009 يوم  18 فبراير من كل عام  بوصفه” يوم مانديلا ” العالمي .

أصبح مانديلا موضوعا خصبا للعديد من الأعمال الأبداعية وانتجت عنه  افلام وثائقية وروائية ومنها فيلم ( الذي لا يقهر ، بالإنجليزية ، Invictus) وهو فيلم دراما تم إنتاجه في الولايات المتحدة سنة 2009 ويتناول محطات في سيرة حياة  مانديلا  ، ويصوّر محاولته لجعل لعبة الركبي والرياضة لغة عالمية مضادة للغة التمييز العنصري والعنف في بلد أنهكه النزاع العنصري . ولأن الاختيار وقع على جنوب إفريقيا كي تستضيف اللعبة عام 1995، في محاولة لجلب البيض والسود الى مكان واحد تجمعهم لعبة رياضية بعد عقود من الفصل العنصري. فإن الفيلم يظهر كيف استثمر مانديلا هذا الحدث في مشروعه المناهض للعنصرية مع سرد استعادي سينمائي لمراحل من حياة المناضل الافريقي .

 

ظاهرة فريدة :

مانديلا ظاهرة فريدة في عصرنا ، فقد تخلى عن السلطة بعد أن نجح في انهاء الفصل العنصري وزرع روح الوئام و الأنسجام بين شعوب جنوب أفريقيا وحقق لشعبه ما كان يصبو اليه من حرية وديمقراطية وأستقرار وسلام  . وأعترف العالم بمواقفه  المشرفة من قضايا الشعوب المناضلة من اجل حقوقها المشروعة ، .لهذا كله حظي بأحترام العالم بأسره .

وعندما كتب ” أنا على أستعداد للموت ” كان على يقين أن المباديء السامية التي ضحى من اجلها لن تموت أبداً .

 

من أقوال مانديلا :

قلنا في ما تقدم ان مانديلا كان خطيبا مفوها لا يجارى ولم يكن يلقي الكلام على عواهنه ـ بل ان خطبه ومؤلفاته  كانت زاخرة بالحكم البليغة التي تعبر عن تجربته السياسية والنضالية والحياتية وفي ما يلي باقة من كلمات مانديلا الخالدة :

1 – أنا لا أستطيع أن أنسى ولكن أستطيع أن اسامح وأغفر .

2 –  ناضلت ضد هيمنة البيض كما ناضلت ضد هيمنة السود .

3 – لا احد يولد وهو يكره انسانا آخر بسبب لون الجلد او الأصل او الدين , الناس يتعلمون الكراهية ،  واذا كانوا قادرين على تعلم الكراهية ، ينبغي السعي لتعليمهم الحب ، لأن الحب أقرب الى قلب الأنسان .

4 –  المساواة الحقيقية أمام القانون تعنى حق الأسهام في وضع القوانين التي تعيش بموجبها ، ووجود دستور يضمن الحقوق الديمقراطية لكل الشرائح الأجتماعية ، والحق في اللجؤ الى المحكمة لطلب الحماية او المساعدة في حالة انتهاك الحقوق التي يكفلها الدستور ، وكذلك الحق في المشاركة في ادارة العدالة بصفة قاض او محام او ادعاء عام او أي صفة رسمية أخرى .

5 – عالمنا ، عالم الآمال و والتطلعات ، ومن ناحية أخرى هو عالم المعاناة والأمراض والفقر

6 – ان تستاء وتغضب ، مثل ان تشرب السم على امل أنه سوف يقتل أعدائك .

7 – يجب علينا استخدام الوقت بحكمة وان نتذكر ان القضية العادلة يمكن البدء بها في اي وقت .

8 – ان تكون حراً لا يعني  ان تنزع عن نفسك السلاسل فقط ولكن ان تعيش وانت تحترم وتعزز حرية الآخرين .

9 – لا ينبغي ان نتوقع من الناس المحرومين من حق التصويت الأستمرار في دفع الضرائب لحكومة لا تمثل امامهم للأستجواب .

10 – ليس المهم ان لا تصاب بكبوة ، بل ان تنهض بعد كل كبوة .

11 – اداء الواجب بصرف النظر عن العواقب هو احد الانجازات السامية للانسان

12 – ليس من الصعب ان تغير المجتمع بل ان تغير نفسك

13 – لا يمكن ان تكون الحرية جزئية

14 -من السهل جدا ان تحارب وتدمر . ولكن البطل الحقيقي ، هو الذي يصنع السلام ويشرع بالبناء.

15 – عندما تصعد جبلا عاليا تنفتح امامك عدد هائل من الجبال التي ينبغي عليك الشروع بالصعود اليها .

————-

جودت هوشيار

jawhoshyar@yahoo.com

عن admin

شاهد أيضاً

بنغلوريات – حكمت حسين

  شذى حسين ، صبية في العشرين ، تعيش في مدينة بنغلور منذ اشهر لتلقي …