السبت , ديسمبر 16 2017
الرئيسية / مقالات / مقالات سياسية / طائفة ضدّ الدين – أحمد عبد الحسين

طائفة ضدّ الدين – أحمد عبد الحسين

فضح ربيعُ العرب النخبَ، العلمانية والإسلامية وما بينهما، لم يكونوا مهيئين للتنبؤ بما سيأتي واستشرافه، خيالهم السياسيّ المصنوع من حزمة مفاهيم وثوقية وشعارات لم يسعفهم  في ملاحقة تأريخ يصنعه شبّان غاضبون سلاحهم لافتات كارتونية مكتوبة على عجالة بخط اليد وحناجر تهتف بصدق وإعلامٍ ذي صبغة لا يستطيع بعد الآن للمتسلط أن يضمه إلى ممتلكاته ويحجبه.

العلمانيون أرادوا تغييراً ناجزاً لا وجود له إلا في مخيلاتهم التي تصطفّ فيها مثاليات تُنحَتُ فيها المجتمعات نحتاً على هواهم، مجتمعات بلا حراك ديني أو طائفيّ أو عشائريّ، وبلا غرائز بدائية عنفية غالباً ما يأتي بها الدين والطائفة. مجتمع كهذا لن نراه أبداً، عسى صدمة العلمانيّ اليوم تفتح له عينين على مجتمعه الفعليّ بعد أن أدمنت عيناه النظرَ إلى هواماته التي يحملها عن المجتمع.
الإسلاميّ معضلته أكبر بكثير، فهو لا ينفكّ عن رسم العالم بمقتضى طائفته، ولذا فإنّ إسلامية إسلاميينا العراقيين من الشيعة تتوقف حين يرى إسلامية ثوار سوريا مثلاً، بينما تزدهر إسلامية جماعتنا وتتفتح كأوسع ما تكون أمام هتافات إسلامية في البحرين أو القطيف، هكذا مَن تقوده طائفته ستورده لا شكّ إلى رؤية مخبولة، فهو من جهة لا يستطيع أن يتضامن مع انتصار طائفة تحتقره وتزدريه وتضمر له العداء، ومن جهة أخرى لا يستطيع أن يعلن بوضوح إن طائفيته هي التي منعته من أن يكون إسلامياً. هذه اللحظة التأريخية نادرة في حياة شعوبنا، لأول مرة تقف فيها الطائفة ضدّ الدين في مشهد واقعيّ عارٍ من خزعبلات الوحدة والتقريب بين المذاهب التي ذهبتْ هباء بعد أن دقتْ ساعة الحقيقة حين حكمنا الطائفيون.

 

العلمانيّ متململ من مظاهر إسلامية في الثورة التي أرادها “كخبز باب الآغا” علمانية ليبرالية تفصل الدين عن السياسة بكبسة زرّ، والإسلاميّ مجروح الوجدان بجرح سريّ ولا يستطيع البوح بألمه، لا يمكنه أن يقول أن إسلاميتي توجعني لأنها الآن تقف حجر عثرة في طريق طائفتي، وطائفتي تحتّم عليّ أن أكون ثائراً في البحرين والقطيف، بينما تجبرني  على أن أكون  عوناً للطاغية في دمشق.
نشعر بألمكم أيها الرفاق، لكنْ هذا الألم يجب  ألا ينسيكم أنفسكم وتتحالفون مع المستحيل ضدّ العصر والزمن الجديد الآتي لا محالة وتصطفون ضدّ تكنولوجيا المعلومات التي تتقدّم ساحقة من يقف في وجهها هو وعقيدته.
أمسِ في حوار تلفزيوني كان الدكتور حسن سلمان رئيس مجلس أمناء شبكة الإعلام العراقيّ الرسمية يهجو باسترخاء عجيب وسائل الإعلام الإلكترونية، فأتحفنا بهذه المعلومة ـ الكنز، أن “تويتر” تعني العصفور، لكنه مندهش: كيف أن العصافير تغرّد في دمشق ولا تغرّد في البحرين. ملقياً باللائمة على شبح أميركا والاستكبار الذي يقف وراء كلّ معضلاتنا.
ربما ظن الدكتور إن أميركا حين وزعتْ “التويترات” في العالم منحت شيعة البحرين كمية ضئيلة فلم تنجح الثورة هناك، وأعطت كل تويتراتها “أي عصافيرها طبعاً” للسوريين ولهذا فهم مستمرون في انتفاضتهم.
الآن عرفتُ لماذا تلكّأت الثورة العظيمة لأشقائنا البحارنة الذين يستحقون الحرية، توقفتْ وربما تنتهي ـ للأسف ـ دون أن تحقق أهدافها، لأن لها محامين مستبدّين وغير أكفاء وخارج العصر، مشغولين باحتساب عدد العصافير المغردة هنا وهناك بلسان طائفيّ مبين.

الخميس 19-01-2012 07:15 صباحا

 

المنشور في جريدة المدى

عن admin

شاهد أيضاً

نعم لحرية التعبير، ما اعتبرت الجميع على مسافة واحدة – محمد هرار

من منّا يكره الحديث، والإفصاح بكلّ حريّة وثقة في النفس عمّا يجول  في خاطره من …