الخميس , سبتمبر 20 2018
الرئيسية / مقالات / مقالات سياسية / شيعة العراق ضحايا ساسته ورجال طائفتهم – زكي رضا

شيعة العراق ضحايا ساسته ورجال طائفتهم – زكي رضا

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وليومنا هذا لم يتعرّض مكون عراقي لعزل سياسي وتجهيل متعمد كما شيعة العراق، مرّة من السلطات الحاكمة ومرّات من ساسته ورجال طائفته الذين ما انفكّوا يتاجرون بمأساته لليوم. فمع تأسيس الدولة العراقية الحديثة من قبل المحتلين البريطانيين استنكفت المرجعية الدينية الشيعية – لعدم وجود طبقة سياسية حينها – وبخطأ تاريخي كبير بعد ثورة العشرين المساهمة في ادارة الدولة العراقية الناشئة والتي يمثل شيعة العراق فيها الثقل الاكبر عدديا. ما ادى الا عزل ابناء طائفتهم عن المراكز الحساسة والمهمة في الحكومة والدولة كالجيش والتعليم وغيرها من المؤسسات ما ستدفعه اجيالهم اللاحقة تهميشا وأمية من قبل السلطات العراقية المتعاقبة خلال العهد الملكي خصوصا، و مسلوبي الارادة وتابعين لسلطة رجال الدين الذين كرّسوا الجهل عندهم بمنعهم انخراط ابناء الطائفة في المدارس الحكومية لسنوات طويلة.

ان “مظلومية الشيعة” تكون مفهومة من قبلهم اذا ما تعلق الامر في شعورهم بالاضطهاد من الحكومات العراقية “السنية” عدا فترة ثورة تموز، وهذه “المظلومية” وجدت من يتعاطف معها ليس بين اوساط الشيعة فقط بل وبين قسم لا يستهان به من “السنة” والكورد وباقي مكونات شعبنا اضافة الى الفصائل السياسية اليسارية والديموقراطية ذات البعد الوطني. ولكن هذه المظلومية تصبح محل تساؤل اذا ما جاءت من قبل ابناء جلدتهم او بالاحرى ابناء طائفتهم من ساسة ومعمّمين، وهذا ما نريد ان نتطرق اليه هنا خصوصا وان الاسلام السياسي الشيعي والمؤسسة الدينية الشيعية تتحكم اليوم بمصير ليس الشيعة فقط بل وبالعراق وتعمل مع الاسلام السياسي السني والمؤسسة الدينية السنية في دفع الامور بالبلد الى منزلق خطر، باصرارهم على استمرار نظام المحاصصة الطائفية التي اثبتت خلال عقد كامل من تطبيقها فشلها الذريع على مختلف الصعد، وساهمت بوقف عملية اعادة ما دمرته دكتاتورية البعث بل انها ساهمت بشكل اكبر في ازدياد الخراب الموروث من تلك الحقبة السوداء. بعد ان ساهمت – على الاقل سياسيي الطائفتين – في تأجيج حدة الصراع الطائفي وشاركت بعضها البعض في نهب ثروات البلد.

لقد اصطدمت حركة “النهضة الشيعية” وقاعدتها الاساسية اي التعليم بتجاهل تام من العثمانيين وبدايات الحكم الملكي، حيث لم يكن تعداد المدارس يتناسب وسكان مختلف الالوية العراقية “المحافظات”، فلواء مثل الموصل كانت فيه 63 مدرسة حكومية و 4 مدارس اهلية يقابله 4 مدارس حكومية ومثلها اهلية في لواء كربلاء في السنة الدراسية 1921- 1922 * ونستطيع من خلال هذه الارقام ان نتعرف على نسبة الامية وسط سكان كربلاء مقارنة بالموصل. وبدلا من ان تلتفت المؤسسة الدينية خصوصا والساسة الشيعة عموما لردم هذه الهوة الكبيرة نراهم قد توجهوا نحو تدريس العلوم الدينية وكأن بها سيأخذ الشيعي مكانه الحقيقي في المجتمع والدولة. متناسين وعن عمد انهم بعدم دفع ابنائهم الى صفوف الدراسة الحقيقية فانهم يكرسون الامية وما ينتج عنها من جهل وتخلف، والذي ستستغله الحكومات المتعاقبة لتكريس واقع شبه طائفي في هيكلية الدولة لعدم وجود “شيعة” متعلمين بالشكل الكافي. 

وقد تغيرت هذه المعادلة تماما بعد ثورة 14 تموز التي نشرت التعليم حتى في مناطق نائية من البلد كالاهوار والقرى المنسية التابعة لبلدات كانت منسية اساسا، ولم تمر سنوات من عمر الثورة الا وكان عدد كبير من ” الشيعة” يفرضون انفسهم بتحصيلهم الاكاديمي وليس الحوزوي في دوائر الدولة واجهزتها ومؤسساتها المختلفة. وفي اواسط السبعينات وحتى نهايتها كان للشيعة دورا متميزا في الجامعات والمعاهد العليا كطلبة وتدريسيين. الا ان اندلاع الحرب الصدامية الخمينية قلل من مساحة التعليم بالعراق عموما نتيجة سوق الالاف من الشبان وغالبيتهم من المتعلمين الى جبهات الموت، وضُرِب التعليم في مقتل بعد الغزو العراقي للكويت وما نتج عنها من ويلات، واكبر هذه الويلات كانت الحملة الايمانية للطاغية صدام حسين والتي هي نتاج طبيعي لاندحار وهزيمة النظام مما ترجمه والشعب معه الى هروب كبير للامام حيث النزعة الدينية المتخلفة، وما تنتجه في مثل هذه الاحوال من عادات لا يقبلها العقل الانساني في الفترات الطبيعية لتطور المجتمعات. ففي تلك الفترة المظلمة للثقافة والعلم والذهبية للغيبيات وما يرافقها من دجل وضحك على ذقون البسطاء، انحدر الانسان العراقي الى ادنى مستوى فكري وصل اليه طيلة تاريخ العراق الحديث، ذلك الانسان وبمساعدة “رجال دين” لا يعرفون الا سرقة عقول الناس كي يكونوا قطيعا يقودنه الى حيث يريدون وحكومة تشجعهم سرا وعلانية لحاجتها اليهم ، عبد يومها الجهل والشعوذة كأنهما ركنين مقدسين من اركان الاسلام. حينها كان شعبنا عموما و”الشيعة” خصوصا كونهم الاكثر تضررا من سياسات النظام البعثي المنهار سواء خلال الحرب الصدامية الخمينية ام غزو الكويت وما تلاها من قمع وحشي اثر فشل انتفاضة آذار، من اكثر طبقات وفئات المجتمع اندفاعا نحو التخلف الفكري والثقافي وايمانا بما يأتي به “رجال دين”متخلفون من امور تثبت لاي انسان يحمل ذرة من الوعي انهم منحوا العقل اجازة مفتوحة.

وما ان انهار النظام البعثي اثر احتلال العراق حتى تفاءل الكثير من العراقيين وبينهم عدد كبير من “الشيعة” بتغيير معادلة الجهل والتخلف الى معادلة العلم والمعرفة، خصوصا وان الذين باتوا يمتلكون زمام الحكم هم من ابناء مذهبهم، والذين طالما بشّروا بعراق جديد عندما كانوا في المعارضة. ويبدو ان حسابات الحقل لم تأتي وفق حسابات البيدر، فالساسة الشيعة ومن خلفهم مؤسستهم الدينية عرفوا منذ البداية ان شعبا واعيا يمتلك ناصية العلم وفي ظل اي نظام ديموقراطي لن يمنح اصواته للمتخلفين والمشعوذين واللصوص، ما دفعهم وللاسف الشديد الى ليس تجاهل التعليم ومستواه فقط من حيث تعداد المدارس وجودتها و مستواها التعليمي، بل الى تشجيع عمليات التزوير ومنح شهادات علمية مرموقة من جامعات عراقية لمتخلفين ودجالين بعد ان تتم معادلة شهاداتهم في تخصصات لا تعرفها اية جامعة من جامعات العالم، يرافقه تجاهل متعمد لحملة الشهادات الحقيقية وعزلهم ومحاربتهم كونهم لا ينتمون الى احزاب السلطة الطائفية كما كان عهد البعث منذ العام 1979، لينحدر مستوى التعليم وبالتالي الوعي والثقافة الى مستويات متدنية جدا. وهذا ما تحتاجه احزاب السلطة الشيعية تحديدا لاستمرار هيمنتها على مقاليد الحكم ورقاب رعيتهم من بسطاء وفقراء الشيعة تحديدا.

في مقالتي هذه كنت مضطرا لعرض هذه المقدمة الطويلة نسبيا لمناقشة الانتخابات البرلمانية القادمة وكيفية محاولة القوى الدينية الاستمرار في السلطة عن طريق اشاعة الجهل والتخلف بين صفوف اوساط واسعة من ابناء طائفتهم، هذا التخلف المتعمد استشرائه في المجتمع كي يضمنوا ومن خلفهم “رجال دين” على الدوام اصوات الاميين وانصاف المتعلمين استنادا الى قوانين انتخابية تفصّل على مقاسات هذه القوى نتيجة استمرار نظام المحاصصة. 

ان اصرار حزب الدعوة وباقي القوى الدينية على وجه الخصوص بالقفز على قرارت المحكمة الدستورية والتي هي باتّة وملزمة للسلطات كافة وفقا للمادة 91 من الدستور لاجل سرقة اصوات الناخبين الذين لم يصوتوا له، والاصرار ايضا على جعل العراق دوائر انتخابية متعددة مع اعطاء صلاحيات واسعة لرئيس القائمة بالتعامل مع نوابه، يحتاج الى مستلزمات عديدة خصوصا بعد فشل هذا الحزب ورئيسه ومعهم كل اطراف المحاصصة في انتشال البلاد مما هي فيه طيلة دورتين انتخابيتين. واهم هذه المستلزمات والتي تعتمد عليها القوى الشيعية الحاكمة اعتمادا كليا هو استمرار ازدياد اعداد الاميين وانتشار الجهل والتخلف بين صفوف المجتمع ليكونوا جيشهم الذي يقاتلون به التنوير والعلم والثقافة. وهم في هذا الحالة بحاجة الى نواب من طراز خاص، نواب متخلفون واميون فكريا وثقافيا، نواب لصوص وسراق للمال العام، نواب ينظرون الى اصبع رئيس قائمتهم ليعلنوا نفاقهم السياسي، نواب لا ارادة حقيقية لهم.

ومن هؤلاء المرشحين ليكونوا نوابا في التحالف الشيعي القادم بزعامة المالكي الحالم والذي يعارك الحقيقة التي اثبتت فشله لليوم كي يكون رئيسا للوزراء للمرة الثالثة، كارثة من بابل اسمها ” فوزية الجشعمي” التي كفرت بالله كفرة صلعاء، عندما تحدّت ارادة الله بان ترغمه على ادخال من يكتب كلمة “قبلت” على صفحتها “المباركة!!” الجنة بأن لا تدخلها الا ومعها ذلك الافاق الذي سيغفر الله له كل ذنوبه لانه آخى “فوزية”. حينما قالت ” انني ان كنت من اهل الجنة والشفاعة وأذن لي بدخول الجنة لن ادخلها الا وانت معي!!!!!”.

بامثال “فوزية” والذين صوتوا وسيصوتون لها كي تصل الى قبة البرلمان وفق شروط حزب الدعوة يريد المالكي بناء دولة، بأمثال “فوزية” ومريديها من الطامعين بالجنة يريد المالكي محاربة الارهاب واستقرار الامن، بأمثال “فوزية” وجيش المتخلفين الذي وراءها يريد المالكي النهوض بالعملية التربوية واشاعة العلم في البلد. ان امثال “فوزية” من دجالين ومشعوذين وهم كثر من الجنسين يسيئون اساءة كبيرة الى المذهب الشيعي قبل غيره، وعلى رغم هذه الاساءة التي وصلت الى الكفر العلني نرى وللاسف الشديد صمتا مطبقا من رجال دين كنا نتوسم فيهم العقلانية في محاربة الظواهر الغريبة والشاذة ليس في المذهب فقط بل وفي المجتمع ككل ايضا. فهل بشفاعة فوزية لناخبيها سينتشر التشيع العلوي الحقيقي ايتها المؤسسة الدينية؟ وهل بأمثالها سنصل بالعراق الى بر الامان ايتها الاحزاب الشيعية؟

* من الصحف العراقية القديمة “بغداد من سنة 1900- 1934 “الجزء الاول ص 191 ” للكاتب فخري الزبيدي.

سيبقى العقل وليس الدين او المذهب زينة الانسان.

زكي رضا
الدنمارك
7/11/2013

عن admin