الأربعاء , يونيو 28 2017
الرئيسية / مقالات / مقالات سياسية / سياسة الدنمارك والحلفاء تجاه الربيع العربي ـ محمد هرار

سياسة الدنمارك والحلفاء تجاه الربيع العربي ـ محمد هرار

لا يختلف اثنان ولا يتناطح عنزان في أنّ ما نراه اليوم في بعض البلدان العربية، كتونس ومصر وليبيا، وما سيأتي في المستقبل القريب إذِ الحبل على الجرار في سوريا واليمن، من أوضاع جديدة، تكون بداية حقبة ستنسينا ما كانت عليه الأوضاع قبل سنة 2011، أي قبل بداية الثورة من حقبة سوداء بسبب ما كان يروج له بعض الغلاة من الجانبين: الإسلامي المتعصب، الرافض للديمقراطية وتداول السلطة، المكفر للمجتمع من قمة هرمه إلى أسفله، وان كانوا هم قلة في مجتمعاتنا الاسلامية والحمدلله. والعلماني المتطرف دعاة التغريب الرافض للجميع  بما في ذلك الاسلاميين المعتدلين الذين قبوا التحاكم لقوانين للعبة السياسية وهم السواد اﻷعظم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.  لقد كان كل من الطرفين المذكورين يحاول أن يلغي الآخر على أساس أنه هو الذي يملك الحقيقة المطلقة، فيما ضاع صوت الحكمة والوسطية عند السواد اﻷعظم من الشعب بين هؤلاء وأولئك. أتدرون من  كان المستفيد الوحيد في تلك الدوامة والحقبة السوداء من تاريخنا الحديث؟ إنه نظام الحكم الديكتاتوري المستبد، الذي كان بكل مكر وخسة يغدي تلك الصراعات والنزاعات ويمدها بكل مقومات الصمود، أحيانا بطرق ملتوية يلفها الغموض، وفي بعض الأحايين كانت مكشوفة مفضوحة. مثالا على ذلك: دعم النظام الحاكم للعلمانيين المتطرفين على حساب الإسلاميين الغلاة، والعكس، ولكن! ما إن يكاد طرف يقضي على طرف، حتى يعيد النظام الحاكم ويطلق يد الطرف الآخر محدثا بذلك بعض التوازن بينهما!، ويبدآن الصراع من نقطة الصفر. وهكذا دواليك لعشرات السنين بلا حياء، ليعيش هو في مأمن من كل تلك الصراعات ويمارس دور الحكم. لقد عشنا للأسف تلك المرحلة الرهيبة بُعَيد فترة الإستقلال في كل أقطار الوطن العربي تقريبا، ومن العيب والعارأن تستمربعض الأنظمة إلى يومنا هذا من الإستفادة من نفس العملية بلا خجل ولا استحياء ولا أظنها ستتوقف وتتعظ،  حتى تسقط  كما سقطت شقيقاتها هنا وهناك.. وسبحان الله” خطأ الرئيس التونسي الهارب والمصري المخلوع وعنادهما”، يتكرران في كل قطر تشمله موجة المطالبة بالتغيير. والسعيد من استفاد من تجارب غيره وليس العكس

من المؤسف أنّ الغرب الداعي والداعم للديمقراطية والتحرر والنابذ للظلم والديكتاتورية، كما نشاهد اليوم، كان له الدور الكبير واليد الطولى في تكريس تلك الحقبة السوداء في مجتمعاتنا العربية والاسلامية حرصا وضمانا  لمصالحه الكبرى، سواء بالسكوت والتسترعلى تلك الخروقات والانتهاكات لحقوق الإنسان التي حدثت على أيدي الظالمين المعتدين في بلداننا والتي كان يعلمها بدقة وبالتفاصيل، أو بالدعم اللوجستي لتلك الأنظمة البائدة مقابل استقراره هو بأي ثمن، وإن كانت على حساب اﻵخرين . أما اليوم وبعد ما حصل من تغييربسبب نسيم الربيع العربي المبكر، وما ساقه من المطالبة بالحرية والكرامة والديمقراطية ومحاربة الفساد ومناهضة الاستبداد… وبعد ما سقط من سقط من الأصنام العتيقة، في كل من  تونس ومصر وليبيا، ولن يكون القذافي آخرهم، بل العاقبة بإذن الله لمن هم في اليمن وسوريا… فإنّ الغرب ذاته لم يعد اليوم يقبل لنفسه شراء الاستقرار من تلك الحكومات العربية الديكتاتورية، مقابل سكوته وتستره على الاستبداد والطغيان السياسي والقهر، ولم يعد يقبل فكرة تخويفه وتهديده بمعادلة أحلاهما مُرٌ: إما الطغيان العلماني الكاسح!! أوالخطروالبعبع الإسلامي المتطرف الهائج!!.. الغرب أصبح الآن يسعى لحماية مصالحه على المدى البعيد بطرق مغايرة وبأساليب مختلفة تماما، تتطلبها دقة المرحلة التي تمر بها البلدان العربية. وهو يوقن الآن أكثر من غيره ومن أي زمان مضى، أن الشعوب العربية والإسلامية إذا انتفضت وثارت، فإن جيوش الدنيا كلها من الشرق والغرب مجتمعة لن تصدها ولن توقف سيرها ومدًها. لذلك شاهدنا ولأول مرة في تاريخ دول إسكندنافيا، كيف فاجأتنا الدانمرك حين أجمعت حكومنها على إسقاط النظام الليبي وبسرعة قياسية، وأعلنت الحرب عليه إعلاميا، بحيث جعلت مساحة كبيرة من إعلامها لما يجري في ليبيا، لم تجعلها لما مر من الأحداث من قبل في بادء الأمر!! ثم تسابقت على دعم الثوار في ليبيا، وبادرت بإرسال الطائرات الحربية، وكانت من أوائل من اعترف بالمجلس الانتقالي الليبي، وجمدت أرصدة العقيد القذافي وأبنائه في كل المجالات، والأمثلة لا تحتاج إلى الذكر والسرد. و حسب صحيفة “كريستلي داو بلاد” فإن تغطية النفقات المترتبة على الحرب في ليبيا لن تكون بأقل من النصف مليار كرون دانماركي. وبالتالي فإن الأمور أضحت جلية للعيان، وحتى لا نعتبر سُذًج أو مُغفلين، لابد لنا أن نضع النقاط على الحروف ونسمي اﻷشياء بأسمائها.

إن الأسباب والدواعي الحقيقية وراء مشاركة الدنمارك وحلفائها في الحرب على ليبيا، وقريبا ستكون على الجزائر، وقد يسأل سائل: ما علاقة الحزائر بما يحري في المنطقة!؟ الجواب:”جون بول بوكالا” كاتب من أصل كامروني ومدير معهد الدراسات الجيوستراتيجية، وأستاذ في علم الاجتماع في جامعة الدبلوماسية بجنيف السويسرية، كتب موضوعا يجيب فيه عن تساؤلات عديدة منها: لماذا يريد الغرب قتل القذافي؟ يقول:” سنة 1992، عندما قامت 45 دولة افريقية بتأسيس شركة راسكوم بتصنيع أول قمر صناعي للاتصالات من أجل تخفيض كل أسعار الاتصالات من والى إفريقيا، و في 26 ديسمبر 2007  حصلت إفريقيا على أول قمر صناعي إفريقي راسكوم 1 كلفها 400 مليون دولار فقط، دُفعت لمرة واحدة، حيث تكفل القذافي شخصيا بـ 300 مليون دولار من المبلغ الإجمالي، وأزاح عن القارة السمراء  شر دفع الـ 500 مليون دولار ﻷوروبا كل سنة. وشارك البنك الإفريقي للتنمية بـ 50 مليون دولار، و بنك إفريقيا الغربية للتنمية بـ 27 مليون،  وهناك مشروع مبرمج لسنة 2020  سيتم إطلاق قمر صناعي 100% إفريقي التكنولوجية في الجزائر ينافس أفضل الأقمارفي العالم بتكلفة أقل بـ 10 مرات و يعتبر إحدى التحديات الكبيرة للقارة. وهكذا يكون القذافي قد تسبب في خسارة قدرها 500 مليون دولار سنويا للقارة العجوز وعلى رأسها فرنسا” إنتهى كلامه. وفي هذا اجابة عن علاقة الجزائر بالقذافي. و هذا هو السبب الذي جعل فرنسا تدخل مرحلة جنون وتتصيد الفرص للإنقضاض علي القذافي والفتك به، وهو السبب الثالث، أي الرغبة في الإنتقام منه بأي ثمن. فقد كان القذافي ينوي إستبدال التعامل في بيع النفط عوضا عن الدولار بعملة لم يكتب لها النجاح ولم ترى النور وهي الدينار الذهبي الذي كان يخطط  له وأقام له مؤتمرين، اﻷول سنة 1996 والثاني سنة 2000م. فإن التاريخ يعيد نفسه، تماما كما حصل مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين سنة 2000م، عندما أعلن أن سعر تداول النفط عنده سيكون باليورو وليس بالدولاراﻷمريكي، فحدث ما تعلمون من دمار للعراق والعراقيين على حد سواء بعد ثلات سنوات فقط .

هي إذن ليست  قضية “النفط” أو”الثورة” فحسب، بل هناك دوافع سياسية خفية أخرى، إلى جانب القبضة الحديدية الأمنية والظلم، والإستبداد الذي مارسه وارتكبه العقيد القذافي وعائلته على شعبه لأكثر من أربعين سنة. لكن كل ذلك جاء كما يقال (القشة التي قصمت ظهر البعير)، فإن القذافي مارس كذلك من المضايقات على الغرب ما أن كاد يجعل اقتصادهم على الهاوية، وبخاصة فرنسا التي جثمت على القارة الإفريقية لقرابة 150 سنة ولاتزال! جاعلة منها البقرة الحلوب في كل مجالات الحيات الاقتصادية. لقد تفاوتت التصريحات بخصوص الحرب على ليبيا و اتختلفت من زعيم الى آخر بحسب مصالح  بلاده، ففرنسا مثلا كانت تعد الحرب على القذافي وتتعتبرها ـ”حرب تحرير”، لكنها تحرير لإقتصادها من قبضة القذافي!!. واعتبرتها الدنمارك “حرب من أجل نشر الديمقراطية“، وهنا نفتح قوس، ونقول لحكومة الدانمارك: طيب أين أنتم مما يجري في اليمن!؟ وما يجري في سوريا!؟ ألايستحق الشعبين اليمني والسوري تسويق ونشر ديمقراطيتكم!؟ ألا ترون مايتعرض له الشعبين الأعزلين من قتل وتدمير!؟ لا، وألف لا، بل إن الدنمارك وحلفائها يجعلون من الحرب وسيلة لإنعاش حالة الركود الاقتصادي التي تعاني منها دولهم منذ الأزمة المالية العالمية الحالية، التي تزداد تفاقما يوما بعد يوم. كما وأنه هناك ممن يصرحون بأنها “حرب نفط”، فقط ﻷن القطارقد فاتهم للوصول إليها. ويفتي شيوخ وأنصارالقذافي الهالك واعوانه بأنها “حرب صليبيّة” في حين يعتبرها الشعب الليبي “ثورة” وذلك من حقه.. والحقيقة أن كل ذلك فيه من الصحة! لكن بقدر متفاوت. فهي “ثورة وتحرير” و“حرب نفط” و“حرب انتقام” أوروبي أمريكي غربي من رجل كبّد الغرب خسائرمالية تقدّربمليارات الدولارات في السنوات الأخيرة، فقد تمكن القذافي بدهائه ان يفك ارتباط الدول الافريقية وتبعيتها للغرب، وبخاصة المستعمرالتقليدي القديم الجديد فرنسا وايطالي بالرشوة وشراء الدمم نكاية فيهم.
وهاهي ليبيا اليوم تتخلص من القذافي ومن كل أعوانه، فهل ستستقل بقرارها وحكمها؟ أم أن فاتورة الحرب سترغمها على أن ترضخ لمطامع الغرب التي لاتنتهي؟
للأسف لا يزال عناصر في أمتنا العربية والإسلامية ممن يبذلون جهوداً مضنية وكبيرة لكي يضعوا حواجز حديدية، بل فولادية، كسد “يأجوج ومأجوج” تعزلنا عن العالم، كل العالم، ليعادى على أنه مجرد يختلف معنا. ثم إنه من الخطأ أن نضع الغرب الأوربي واﻷمريكي كله في سلة واحدة، والدنمارك هي جزء من تركيباته وفسيفسائه. فإن هذا العالم الغربي أصبح اليوم يرى بأم عينيه أنّ هناك دولا إسلامية على مرمى حجر منه قد استطاعت التوفيق بين النظام الديمقراطي الحر وما يحمله من الدعوة الى الحداثة، و في نفس الوقت المحافظة على دين اسلامي وسطي و متًزن الى أبعد الحدود، يوافق العصر ومتغيراته من دون التخلي عن مبادئها وقيمها الأساسية، إلى جانب أن هناك قرابة خمسين مليون مسلم من جنسيات مختلفة يعسشون بين ظهرانيه وعلى أرضه. فتركيا من الأمثلة الحية التي أمامه، فنجاحها في المجال الديمقراطي والتنمية الاقتصادية، والازدهار والاستقرار السياسي بزعامة حزب العدالة والتنمية ذوالخلفية الاسلامية، لا يدع عنده مجالا لشك في قدرة الإسلاميين إذا أتيحت لهم الفرصة كاملة، في إنشاء علاقة ود ومد جسور متينة معه مبنية على التعاون المثمر والاحترام المتبادل والتواصل من أجل الخير للبشرية، وهذا الذي زاد الشعب التركي ثقة في الحزب الإسلامي الحاكم  رغم ماتعرض له من عمليات مسخ وغسيل مخ على مدار قرن من الزمان. كل هذه المؤشرات والتطورات الكبيرة والمتسارعة، تجعل الدنمارك وحلفائها في الغرب قاطبة، مضطرين بل ومجبرين وخاصة في ظل هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة، وحفاظا على مصالحهم الكبرى، مراجعة حساباتهم  بخصوص التعامل معها، فإنّ عدوى الثورات وموجة التغيير سوف لن تستثني أحدا في هذا العالم، ولن تقف عند أعتاب العرب فحسب، بل هي تتدحرج لا محالة لتنتقل رياحها إلى أعتابه ان عاجلا أم آجلا وما نراه في أمريكا وغيرها من أقطار العالم اليوم من تظاهرات واعتصامات  خير دليل على ما نقول.
كتبه
محمد هرار.

عن admin

شاهد أيضاً

نعم لحرية التعبير، ما اعتبرت الجميع على مسافة واحدة – محمد هرار

من منّا يكره الحديث، والإفصاح بكلّ حريّة وثقة في النفس عمّا يجول  في خاطره من …

10 تعليقات

  1. Greetings from Colorado! I’m bored to tears at work so I decided
    to check out your site on my iphone during lunch
    break. I really like the info you provide here and can’t wait to take a look when I get home.

    I’m amazed at how fast your blog loaded on my phone .. I’m not even using WIFI, just 3G ..
    Anyways, wonderful site!

  2. I every time spent my half an hour to read
    this web site’s content all the time along with a mug of coffee.

  3. This is the right site for everyone who wishes to find out about this topic.
    You realize so much its almost hard to argue with you
    (not that I really will need to…HaHa). You certainly put a
    fresh spin on a topic that’s been discussed for decades.
    Wonderful stuff, just excellent!

  4. Thanks for sharing your thoughts about ig. Regards

  5. I think this is one of the most vital information for me.
    And i’m glad reading your article. But want to remark on few general things,
    The website style is wonderful, the articles is really great : D.
    Good job, cheers

  6. I do consider all the ideas you’ve offered in your post.
    They are really convincing and can certainly work.

    Still, the posts are very quick for beginners. Could you please
    lengthen them a bit from next time? Thanks for the post.

  7. Its like you learn my thoughts! You seem to grasp a lot about this, like you wrote the ebook in it
    or something. I feel that you can do with some % to power the message
    home a bit, however instead of that, that is great blog.
    An excellent read. I will definitely be back.

  8. You really make it seem so easy with your presentation but I find this matter
    to be actually something that I think I would never understand.
    It seems too complex and extremely broad for me.
    I am looking forward for your next post, I will try to get the hang
    of it!

  9. Link exchange is nothing else however it is only placing the other person’s
    website link on your page at proper place and other person will also
    do same in favor of you.

  10. Very quickly this web page will be famous amid all blog people, due to it’s nice articles or reviews

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.