السبت , نوفمبر 25 2017

رحمن النجار

رحمن النجار – كاتب وشاعر عراقي

من مواليد بغداد١٩٥٩
أنهى دراسة معهد الطب الفني١٩٧٨
بداياته كتابة ونشر في مجلة الثقافة الجديدة والبديل.. الغد الديمقراطي والمدى ١٩٨٤ 
الإقامة في كوبنهاكن/الدنمارك ١٩٩٢
2001-1998 أسس مقهى الشاعر في كوبنهاكن و اقام اكثر من مئة قراءة شعرية.
2000 أقام المهرجان الشعري الأول في كوبنهاكن.
2001 أقامة مهرجان شعري The Global Kiss في كوبنهاكن وتأسيس دار نشر مؤقته للمقهى” ربع جمل و بطاطا” ونشر كتابيين لأنطولوجيا القراءات على نفقة المقهى
إقامة قراءات شعرية” الأولى من نوعها شعرياً” من والى لغة الإشارة بالتعاون مع جمعية الصم والبكم و كذلك فريق الترجمة.  Hand made
2003 نشر ديواني الأول ” نظرية الضحك” إلكترونياً في موقع الحافة
2005 أشتراك بمجلة دنماركية ” ”Sub magazine و تحرير عمود ” Sub People”
2008 اصدر كتابه الثاني ، الأول ورقياً ” الأحمر و الأبيض”
– 2012 نشر كتابه “ رسائل من أناي الأنثى” و“ أشياء”
– له ديوان باللغة الدنماركية” غير مترجم عربياً” بعنوان” عندما”.. ينتظر النشر قريباً
– له مساهمات شعرية و كتابات نقدية في موقع كيكا وأدب وفن وغيرها

يعمل وعمل نجار أثاث كلاسيك وتصاميم ومنذ 2006 يعمل في مؤسسةSahva  كتقني تصنيع  أطراف صناعية بشرية

من شعره

ماراثون اليوم وسوق البشر العتيق

” أن أجزاء البشر- الأجساد و العقول و الأرواح- قابلة للدمار وان الأنسانية يمكن ان
تعود من جديد، بعد تجوال دموي رهيب، الى وحدتها البدائية المقدسة”.
نيكوس كازانتزاكي

عند الجُرف
اليك بكل تأكيد.. حيدر فاضل.. انساناً و مقاوماً شجاعا
… سمعتُ عن هذا الذي يخلط العقل بالقلب مولداً الحكمة. 
وكان ناسكاً بريئا. لكنك لم تعترض على برائته وزهده، لتقول: 
- ان هذا لا يكفي. الخلطة بحاجة الى حفنة وجدان كي تكون إنسانية بما ينبغي. 
ثمة شرط دائم إذن لبراءة مانحلم!
***
كنا نضحكُ ونضحكُ ونضحك 
عند ناصية اليفاع، وكأننا نعرف.
نهبطُ و نهبطُ.. سبع طبقات 
سبع بحور، ننفخ ذؤابة الفانوس كما العقل وننام
ولربما كتبنا أشياءَ تشبه الريح وقلنا حَلِمْنا.
***
جنوباً تجري انهار الأرض
وجريانها أشدّ عزلة من الحقيقة. 
لكن في قلب حجارتنا تمثال يبحثُ عن مفتاح الحياة الماهرة
مفتاحٌ واحد يكفي لننتصبَ جميعاً أحياءَ في الساحة.
***
… عند الجرف.. أبعد قليلاً نحو العمق.. ثمة صخور لم يجرفها النهر ولم تغييبها الخسارة. و كذريعة اصبحت كل صخرة سجلاً مدنياً لتقلبات أقدارنا التي ترفضُ التربية. تحت كل صخرة تويج أرض وطحلب معنى. إذا ما أسمينا كل هذا بيت الصخرة.. وإذا ما غربلنا كل الأعوام التي عصفت بالبيت بمنخلٍ ناعم الشبك. فإن التوّيج والطحلب سيعولان على اسرار.. هكذا اسرار لن يسبرَ غور طبقات نومها أحدٌ سواك.. شأن كل مرة.. ينحدر النهر سبع طبقات.. سبع بحور وتسهر الصخرة كما عقل يحلم.

***
.. نعم ستتمكن
وتُخفي رعشة الكلمات وتمضي.
لكن هؤلاء سيرون بكاءً ورديا في الثالثة فجرا.. وسوف تقول لا:
- لم يكن هذا البكاء بكاءً يا إخوتي. هذا ما يقبعُ خلف الشبكية.
مثلما للذاكرة خانات وسراديب تهيمُ بها ارواحنا كما العود، لا يفقهُ سطوة الماضي على اصابع العازف.. يحضنهُ كالمحبوب ويعزف.
كما أنتَ لا تفقه الهربَ، لأن الجسر والقارب لعبة أولاد. و منهم من أخبركَ عن أنفاقٍ تحت دجلة. لكنكَ أنتَ من أخبرني؛ هكذا أنفاق هي لهرب الملك و اللص على حد سواء

الثمانيني سورين ثانيةً

الثمانيني سورين، سورين الذي يدقُ، يدقُ على ابوابه وما من مجيب، ينظرُ نحوي ويقول:
- هل تعرف، أنتَ أنا قبل ثلاثة عقود، اللعنه!، للمرة الأولى ادركت انني تغيرت! 
وانظرُ الى وجهه مثل رغيف منفوش تحت المطر مجيباً إياه:
- أهذا أنا بعد ثلاثة عقود، شيء مفزع!، لكنه يضيف:
- سأحترم فرديتك في تسلق القسوة ولن أخبرك بما حصل لي مُذاكَ.

علّ من عقل الظلام تجنّ البدايات
كنتُ أبْني على الرملِ، وقد تهدمَ
كنتُ أبْني على الصخرِ، وقد تهدمَ
لكني الآن عندما أبْني
سأبدأُ بالدخانِ من المِدْخنَة.
ليوبولد ستاف.. من ” البحث عن الروح”
نحنُ لا نفقه نبياً لا يروعنا 
تعودنا ان أفضل العبادة الخوف 
وافضل الخوف عندما نُقتل.. 
هذه هي صورتنا وهذا هو نبيّ الأنبياء.
***
مُذاكَ، منذ ان سمعَ الرّب النائم قليلاً، شغبنا ونحن نعبث بالطين.. تقلّبَ في سريره وهمس في سرِّه:
- لمَ خلقتَهم بحق، هل كان من اجل قطع الحطب وإدامة النار في جهنمِكْ؟
لكنهُ فكّرَ قبل ان يغمض عينيه؛ أنت ربّ ولك ماضٍ آتٍ من ذاك الوهم الذي سيتطلع اليه هؤلاء الأبناء بعد حين ويمزقوا الأفق. طبعة قدم وحيدة هي الهاوية، تمتم الرب وجلاً وغطّ في نومته.
***
ومن خوفنا تمسكنا ببعضنا البعض كعنقودِ عنب وسقطنا مثل بندول.. دخلنا كهفا و شرعنا بالبكاء للمرة الأولى، صرخنا ولم يسمعنا أحد،ٌ بعد ان هوت السلالم ولم تعد لإصابعنا فرصة شق الأفق والنظر الى الخديعة. طفقنا ندقّ، ندقّ على جدران الكهف وتوهمنا اننا اجنّة ترفسُ الأرحامَ وتمصّ اصابعها من اللذة. أدمينا قبضاتنا من الدق وكان ازرقاً بلون نزيف المحبرة يأسنا. توهمنا الفجر على انه الفن وخرجنا نمسكُ بالطين كما فعلَ الرّب، نخلقُ ما توهمناهمُ بشراً وتاهت عنا وصفة الروح، هذا المقام الصعب. كنا نتعب من الدق ويسقط الطبشور من تعب المادة، فتوهمنا النهار على انه الأبجدية وخرجنا نتوجَ التضاريس كلماتنا الجلية في كل عجز شائك. كنا نشرب نواح الحيتان في الفرص كي يتحرك البندول ليتّكَ معلناً اول خفقة في قلب الماضي و يعلّمنا قبلُ وبعدُ.. ليقدّر لنا ان نكون بعضنا البعض بمسافة عقود ونتسلق القسوة بمفردنا كسلالم، نصل بها نحو الرّب. ونجملَ إنتظارنا، بإن نحدق في مرايا بعضنا البعض لنقول: 
- أنت انا قبل كذا وانا انت بعد كيت وندق، ندق.. ولا يجيبنا الرب النائم قليلاً، كي يكتبنا بما يشبه الريح ويقول؛ حلمتُ.
اوليست هكذا هي ترنيمة الروح في دغل الجسد على مشارف النعاس!
***
نحن بعضنا البعض وبيننا المزيد من العقود لنتسلق القسوة. وجنوباً مثل نهر ولنا العزلات كحقيقة جارية. لنا ذاكرة شيء من هذا القبيل، ما قبل الرب وبعد نومته.. ذاكرة التوتر بين اصابعه الخالقة وبين ان ينطق طينهُ ويعْبر. ولنا تيه ما بعد الشريان وقبل العصب.

لم يطردنا الربّ.. نحن من لم يفهم ماضيّه وأصابعه. 
قد بكى مثل بلازما عندما عَبرنا، وصاح إثرنا عبر السماء كما زأرة رعد وبرق:
- انا الرّب واريد ان افهم كل هذا اللغط، هذا الدقّ من بعدي..
عودوا! نحن كل الماضي و كل سحر الأخطاء والحلم!
لكنا توهمنا إصبعه الهيولي يرعد و يبرق ويعبرنا كشجرة رمادٍ متشظية.
هذا الربٌ الذي ينام قليلاً بين الحين والآخر، ليكتبنا بما يشبه الريح…، لم يكن أفضل خوفنا.
***
للحشائش نكهة اشجار ذكية، نكهة عِظام.. مثلما لسلالم البيت نكهة نجار عتيق وقرميد بنّاء. ومن اجل الحشائش كماضٍ لحطام الشجرة، أجمع ما فاضَ عن حاجة الحروب من أطراف بشرية، أقدام وأذرع، خطوة وعناق، بعد تيه الشريان المبتور وصرخة العصبِ كما رعد و برق.. خالطاً كل هذا الفيض في طقس من بلازما مخضّبة وغضبة شجرة رماد الرب المتشظية..علنا نهبطُ ونهبطُ.. سبع طبقات، سبع بحور.. ننفخُ ذؤابة الفانوس، علّ من عقل الظلام تجنّ البدايات.

 

كم توهمنا الربيع على مشارف الأيام

” ألا يهبط النهار المتألق على تلالك أيتها الساعة ألا تفتحين الجناح؟
دعينا نحرم غسق المتاهة من الإنبعاث نجعل له الدليل نهداً يقطر حليباً في الوضوح.”
علي البزاز “فوز الدفاتر” من “بعضه سيدوم كالبلدان”
كم رغبتُ بالأشياء تنهضُ، ترتفعُ من تلقاء ربّها وتبزّ من تحت قماشة الوقت، كما ينهضُ، يرتفع ويبزّ بكل جلال نهد الصبيّة.. كم رغبت!
لكن النهر عمل دؤوب يشترط الغواية.. على الأقل بعض الجسور في الحلم، بعض منها في الصحراء وسيخفقُ النهر. الظلمة مبضعٌ بارد وصدورنا حيّة. أن نفهمَ جبلاً، ظلاً أو مرآة صباحية.. ان نرى الله من بضعة اشجار وولادة.. ان نفهم كدح الآباء والجذر في إختراق صخرة. اليست زهرة قرميد على الأقل مانبغي لسكنى العتبة!
لنا الماضي ولنا الماضي التام، لكنا بحاجة ماسة الى ماض سحيق.. حدّ التلاقي بسادة التعبير البسيط فالأبسط والأكثر بساطة. هناك حين تقوست أرواحنا و نبتت قناطرَ على الضفتين، هناك حيث ذاكرة الأبدان بريئة على التلال مثل علي البزاز على ناصية يومه.
لكل يوم جديد غُزاته ونحن لم نولد مثل قلم الرصاص وبرأسنا ممحاة، وساعتنا هي الأخرى نَسيِتْ ان تناغمَ أجراس قطعان الوقت على تلالنا.. فتوهمت أوقاتنا دون لَبسٍ مزيّتها. 
تصور ان لوعول الغابة ساعة غير التي لنا، تكسر قرونها على مشارف الربيع، بالضبط في اوائل ابريل، كي تؤمن الغذاء والكلس لقوارض الغابة المتضورة جوعا طيلة سُبات الشتاء. يا لرحمة الوعول! 
لكن كم من المرات غفونا مع الرّب و كتبنا بمعيته ما يشبه الريح ولم نزهر في المطر؟ كم من المرات، وشمنا على باطن جلودنا المزايا التي نحب ونَغضبُ من هؤلاء، لا يقلّبون باطن جلدنا كما تُقلّبُ في السوق غلاصم السمك. وكم تضورنا طيلة شتاءات وتوهمنا الربيع على مشارف الأيام؟ 
تباً و لكل كلمة نقولها مصطبة في الروح، يجلس اليها الجيل اليافع. لهم ذات الثياب، ذات الغناء و ذات التعبير البسيط وتسريحة الشعْر. لهم ذات العشق المدور كحدوة فرس، حتى بات عصياً ان نقتفي آثار حوافر الخيل على ارضنا، إن كانت عشقاً ام إحتلالاً. لكنا وكلما انهينا كلمة، نهض الجيل هرماً و بثياب رثة. حتى ذات الغناء ينتهي كقيثارة مثلومة الأسنان، يعربد عليها أو ينام من تعبه، ملاك مسلح حتى اضراس العقل. 
وانت وكي تُركبَ جملة من هكذا كلمات عصيّة، عليك ان تمرّ بحذرٍ في مواكب الملائكة الأوغاد وهم نيام على مصاطب روحك وكلماتك ولا يسعك النوم كي لا تضيع في مواكبهم. 
وكما رحمة الوعول، يُحكى عن رغيف نوح انه كان بَرَكةً لا تَخلُص و كلما ثلمت منه عاد مدورا مكتملاً حاراً مثل صدورنا الحيّة و الظلمة مبضع بارد.. فيالرحمة ما كانهُ رغيف نوح!

الببغاء اندريا ومقالة اليوم
1
في الفجر ذرفتُ دمعةً زرقاء 
لم تكن كبيرة.. كانت مالحة 
تلك الزهرة التي وهبتني.
عِواء يدخل نافذتي. جاري الدنماركي هيننغ مل البكاء وصار يعوي. ذراعه انخلعت من صدمة عاطفية. المسكين يأنّ، هذا الذي لا يحترم حبيبته، واسمع من نافذتي المجاورة، كيف يشتمها ويحقرها باشنع الأوصاف، تخيل يقول لها؛ إن لم تخرسي يا أندريا، فسأضخ زيت المحرك بدبرك! لكني وبخته وحذرته؛ بإن عليه ان يعامل وحبيبته بلطف وادب. لكنهُ امتقع من الضحك كإيقونة من سوق البشر العتيق، ليقول لي: 
- اية حبيبة غاهمن.. هذه التي اوبخها صباح مساء هي ببغائي الفاجرة اندريا!
لمَ تأن و تعوي إذن يا هيننغ؟
- أنا حزين غاهمن بسبب الحب الذي أمسى شبحاً ولن يعود إلا بفوزي على فريق الأشباح. لكني اكثر حزنا عندما يجيء الفجر واخسر المباراة لصالحهم. انظر الى شراويلي، كم تمزقن من دفاعاتي الخاسرة.. هؤلاء الاشباح مهرة!
2
كنت يسارياً غاهمن ولطالما كتبت بيدي اليسار مقالات عن الحياة، لكن حياتي الآن ليست بحاجة الى مقالات. لا اكتب. عوضاً قلتُ لنفسي؛ من يكتب باليد اليسار بإمكانه ممارسة العادة السرية من القلب. هكذا عزاء راعشٌ لن يكفي. 
رايت مرة غاهمن وكان فجراً عندما عدت الى بيتي مدمراً من المباراة.. رأيتُ رجلاً يشبهني، يسير عارياً في الشارع، لا يسترهُ شيء سوى ورقة من امام و اخرى من الخلف كان قد سرقهما من طابعة الكتابة الخَرِبة، مربوطتان بحبل الى رقبته. كان يصيح:
- اقلب اية ورقة تناسبك وانظر الى مقالة اليوم.. قرّب.. قرّب!
لكني اقتربت من هذا الرجل غاهمن، أشفقت عليه كما اشفق على نفسي أحياناً واعطيتهُ معطفي، مثلما اعطيتهُ مرة لإفلاطون العاري في جحيمه، ليسألني الرجل: 
-لمَ تسترني بمعطفك في هذا الفجر، الا تود القراءة مثل الآخرين؟ وأجبته:
- نعم ارغب، لكني الآنَ وفي هذا الفجر، أميٌّ لا يفك الحرف وحزين!
مع هذا رأيت البعض يقترب من مؤخرتي كما كلاب ضالةٍ، بحجة الإطلاع على مقالة اليوم. ياللهول، صرخت من الصميم!

أولاد الثالثة فجراً
بين حشد واخر
يرفع الساحر مشنقة على رابية،
وكلما ضربها بعصاه
تلاشت الحكاية
…………..
كيف اضم الشمعة المتوهجة الى حشد يرفع الساحر الى رابية؟
سليمان جوني من قصيدة ” رسم هزلي”
بالعري وحدهُ تحت سماء رمادية.. 
وبقليلِ قليلِ الكلام، يتماثل للشفاء خريف الشجرة.
لنا الكلمات، نحول بها العقل الى خرداوات، نسدد بها فواتير الماضي. فواتير، تأتينا مثل جرائد الصباح عوضا عن العشق. نسددُ بها وفوّهة بريد التاريخ تعنّفُ يومنا منذ الفجر. فيما وعلى الطرف الآخر من الفجر تتدافع الحياة على أرصفة معبدة بالأطفال والسمك.
فرايا ابنة يسبر، ابنة الثلاث سنوات تقول لإبيها:
- كلما فتحتُ عيوني الزرق صباحاً رأيت كل شيء يا أبي.
إبنتي عفراء إبنة الثلاث سنوات، قالت لي مرة: إذا أردت الحصول على نجمة فما عليك سوى ان ترسم صليبين، دع الأول مثلما هو شاقول ومدى، اما الثاني فإرسمهُ اعوجاً، لا الشاقول فيه شاقول ولا المدى مدىً، وفقط عندما يتطابق الصليب الأعوج مع الصليب غير الأعوج، تحصلُ على نجمة.
إبني ظِفْار إبن الثلاث سنوات، لا يرغب بجوز الهند ويعلق:
- كيف يمكن أكل ثمار تخرجُ من مؤخرة البقرة؟
إيفييَن إبنة الشاعر سليمان جوني، إبنة الثلاث سنوات وكلما استيقظت، بحثت بين الشراشف و الأغطية، على فمها وفي المرآة، بحثت عن قبلات أبيها لها وهي نائمة. لتسأل بحرقة:
- أين قبلاتك التي قبلتني وانا نائمة يا أبي؟
إيفييَن تعلق على ان ليس المهم ان تفهم، قل ما لديك و لسوف يفهمك من يسمعك.
نحن أولاد الثالثة فجراً، لا الشاقول شاقول ولا المدى مدى، نفتح عيوننا لنرى كل شيء، وفقط حين نطابق المعوّج مع غير المعوّج نحصل على نجمة- هكذا مطابقة بحاجة الى نوافذ اسطع في شوارع الظلام العنيف- ونبحثُ عن النوافذَ كما بحثت إيفين عن قبلات ابيها لها. في المرايا وفي النوم نتوحد ونتطابق. نظهر ونغيب ولا نرغب بثمار الحياة عندما تولد من مؤخرات الأبقار.
ونحنُ وفي الفرص، نلعبُ كإبن الثالثة فجراً، نضع القلم كما الرّب بين عيوننا المفتوحة، ننظرُ اليه بشدة وخرس ونغيب ويغيب القلم. نحنُ جذور في الرياضيات وأخرى في الشجرة. نحنُ رياضيات وأشجار. نحن جذور إثنية. نحنُ الماضي يخطأ في حل التمارين. تمارين في القراءة وأخرى في العضلة. كسور في الجبر وأخرى في الكراسي- وكم تحدثَ التاريخ من عروشه المهشمة-. فقرات في العمود الفقري وأخرى في قانون الإنسان والعالم، تُصوّر على مدار القرون في معارض قيامية. تفاعلات الكيمياء بحاجة الى دوارق، تجارب في المحلول والنسيج، لكن حين يفسد الليل والماضي يفرّ الكيميائي من فتحة بريد التاريخ، تاركاً محاليله وتجاربه، دوارقه وطلاسم كيمياه لأطفال القيامة. لنا نحن اطفال الثالثة فجراً.

عن admin

شاهد أيضاً

شاكر الناصري

شاكر الناصري كاتب عراقي مقيم في الدنمارك مرتبط