الأربعاء , أغسطس 15 2018
الرئيسية / مقالات / مقالات ادبية / ذكريات من الزمن الجميل – حكمت حسين

ذكريات من الزمن الجميل – حكمت حسين

شرّفني الحزب بتكليفي العمل ضمن مكتب العمل النقابي بعد خروجي سالما من كردستان اثر عمليات الانفال سيئة الصيت عام 1988 بعد انتهاء عمليات الحرب العدوانية العراقية الايرانية ، كانت فترة العمل تلك ممتعة الى حدود بعيدة واول الاسباب هو الظرف النضالي الذي يتطلب حشد الطاقات لمواجهة الدكتاتورية وطغيانها على الشعب في الوطن ، وفي نفس الوقت فضح تلك الديكتاتورية امام المحافل والمنظمات الدولية التي كانت تغمض عيونها عن جرائم النظام الدكتاتوري ، وليس آخر الاسباب هو اكتساب الخبرة من كوادر نقابية ضمّها مكتب العمل النقابي آنذاك .

حماسة الشباب وتراكم الخبرة ودعم الحزب حققت ( حركة العمال النقابية الديمقراطية في الجمهورية العراقية ) نشاطات متنوعة ومتواصلة على مختلف الصعد بدأ من العمل التنظيمي والصلة مع مايمكن من الركائز النقابية المحدودة بسبب القمع والمطاردة ، ومجال العلاقات الخارجية مع الاتحادات النقابية الصديقة العربية وبعض الدولية وكذلك الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب واتحاد النقابات العالمي ، اضافة الى المجال الاعلامي المتمثل بانتظام اصدار مطبوعّي صوت العمال ونشرة الحركة النقابية وتنوع محتوايتهما وتفاعل من قبل المتابعين لها ، وكذلك اصدار البيانات والمذكرات في مختلف المناسبات وباللغتين العربية والانكليزية في بعض الأحيان ، وكان عملي في مكتب اعلام الحزب عاملا مساعدا اضافيا وكبيرا في انجاز مهمات العمل النقابي ، اضافة الى

من ابرز الذكريات من ذاك الزمن الجميل كان عقد الكونفرنس الأول لحركة العمال النقابية الديمقراطية في أواخر كانون الأول 1989 ، كان الاعداد والتحضير وتهيئة مسودات الوثائق واختيار المشاركين وكل القضايا الفنية المرافقة لمثل هذه الفعالية تتم بروح نضالية ممتعة ، كنت استمتع بهذه المهمة وانجازها مع الاخوة الآخرين ، وقد نجحنا في انجاز اعمال الكونفرنس بمثل ماخطط له ، وضمن ذهنية ذاك الوقت التي كالنت تسير بها مثل هذه المهمات ، ومن المؤكد انها ستبدو مختلفة تماما لو فكرنا بانجاز الكونفرنس في الوقت الحالي .
حضر الكونفرنس 18 من مهن مختلفة اكبرهم سناً عامل الميكانيك الاخ العزيز فخري بطرس (ابو عمار) عضو المؤتمر التأسيسي لاتحادات النقابات في العراق واصغرهم عامل الخياطة الأخ كفاح ذو 29 ربيعا آنذاك وكان معدل عمر المندوبين كان 43 عاما . حضر الكونفرس الرفيق عبد الرزاق الصافي ممثلا عن قيادة الحزب والاخت نازنين ممثلة عن رابطة المرأة العراقية ، وللأسف لاارى الآن في قائمة المشاركين اسماء اخواتنا العاملات من القريبات على الحركة النقابية مثل العزيزتين ام فرات وام ايناس .
مررتُ ورقة يكتبُ كل مشارك عمره ومهنته وعندما وصلت الورقة الى الفقيد صاحب ابو مازن كتب المعلومات ولم يكتب العمر وقال لي بصوت خفيض انه سيكتبه عندما ينتهي الجميع ، كان لايريد ان يطلع من يكتب بعده على عمره لانه كان يبحث عن زوجة له في ذلك الوقت ، ولاادري ان رقم 48 الذي كتبه كان حقيقيا أم مزيفا .
منذ ذلك التاريخ غادرنا العزيز ابو فرات شهيدا بطلا مقداما على ايدي بقايا النظام السابق عندما برز نقابيا لامعا في تشكيلة المكتب التنفيذي لاتحاد النقابات بعد 2003 ، وفقدنا أيضا الاخوة ابو مازن ، ابو علي ، ابو فهد وأبو يوسف (سليم اسماعيل) الذي كان يقود مكتب العمل النقابي آنذاك .
أصدر الكونفرنس في كراس خاص وثائق الكونفرنس الذي تضمن بلاغ عن اعمال الكونفرنس وورقة عمل الكونفرنس وبرنامج حركة العمال النقابية والنظام الداخلي للحركة ومداخلات معدة مسبقا حول الحقوق والحريات النقابية والمرأة العاملة والعمالة الوافدة ، اضافة الى مجموعة من التحايا ورسائل التضامن .

من الذكريات الاخرى سفري مع الاخ العزيز مصطفى محمد غريب (ابو ئازاد) الذي تعلمت منه الكثير في هذا المجال ، الى براغ حيث عقد اتحاد النقابات العالمي مؤتمره ، الدعوة الرسمية كانت موجهة الى اتحاد السلطة وكان وفدها برئاسة فاضل بدن رئيس الاتحاد آنذاك ، لكننا وصلنا الى مكان المؤتمر والتقينا مع ممثلي الاتحادات الصديقة ووزعنا مذكرة عن انتهاك النظام لحقوق وحريات الطبقة العاملة . ترافقت هذه السفرة مع الايام العشرة التي انهار فيها نظام الاشتراكية في جيكوسلوفاكيا وشاهدت ذلك التحول بكل تفاصيله اليومية وتعرفت على الكثير من نواحي الحياة في ظل نظام شمولي لم أكن اتصور وجودها فيه . استمتعت بجمال براغ وبقيت فيها حتى نهاية موعد التذكرة على عكس زميلي ابو آزاد الذي عاد بعد انتهاء مهمة الزيارة ، سهرت في حاناتها المنزوية بين ازقة المدينة القديمة وشربت بيرتها السوداء ، وفي طريق العودة رافقت شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري لقرابة 36 ساعة ، وهذه حكاية لها مكان آخر .

في عام 2000 عقدت الحركة النقابية كونفرنسا في كردستان المحررة من الدكتاتورية ، وللأسف لم اتمكن من الحضور لاسباب فنية ، كما يقولون ، لكني ساهمت بمداخلة أرسلتها عبر الفاكس ، واعتُمدت من ضمن مداخلات المشاركين ، ربما انشر نصها في مكان آخر لغرض مراجعة نمط التفكير آنذاك .
في ذكرى الأول من آيار اقدم تحيات حارة لكل من عملت معه في المجال النقابي ، كلهم اعزاء على قلبي ، واتمنى لهم النجاح والصحة والفرح ، واتمنى للعاملين في المجال النقابي الآن مواصلة الدور النضالي لمواجهة سياسات الاحتواء التي تسعى اليها بعض القوى المتنفذة ، وكما يعلمون من تاريخ النضال العمالي ان الحقوق والحريات تؤخذ ولاتُمنح . 

حكمت حسين
30 نيسان 2013

 

 

عن admin