الثلاثاء , يونيو 27 2017
الرئيسية / مقالات / مقالات ادبية / دار عم الطيب .. متحف خاص بغرائبية الإنسان المعاصر – محسن الذهبي

دار عم الطيب .. متحف خاص بغرائبية الإنسان المعاصر – محسن الذهبي

قد لا يعرفه الكثير من عشاق الفن في العالم وحتى في عالمنا العربي لكن ابناء مدينة (سوسه ) التونسية يكنون له احتراما كبير ، فيطلقون عليه – العم الطيب  –  حتى غدا من اهم العلامات الثقافية الحقيقية والمتميزة للمدينة رغم غرقها في طوفان الافواج السياحية واغراق اسواقها بفنون وصناعات شعبية استهلاكية تخدم اغراض سياحية .
ذلك هو النحات التونسي (الطيب بلحاج احمد )  الفنان والانسان الطيب فعلا ، يستقبلك بوجه الباسم وبسنوات عمره التي تجاوز الستين وشعره المبيض بفعل السنين على باب محترفه الفني ومتحف فنه والذي كتب على بابه (متحف خاص للفن المعاصر ) لياخذك الى عالمه الغريب .. عالم خاص جدا .. قلما تشاهد مثله في العالم العربي ، يصف اعماله الناقد التشكيلي التونسي عمر الغدامسي بدت (وكأنها كائنات قادمة من كوكب آخر )
تلك هي دار عم الطيب بباحتها وطابقيها تضم منحوتاته باشكالها العجيبة اذ يتألف بشكل غريب كل ما في الطبيعة من مواد لتتوالد منها اشكالا نحتيه ، فمن ركام النحاس والحجر والرخام والفولاذ الى اطارات السيارات المطاطية مرورا بالخشب والقش والسيراميك بل كل ما يقع تحت يده من اشياء يوظفه في تكوين منحوتاته ، فهو يبحث في قابلية خواص المادة قبل تركيبها من اجل ايجاد صياغة شكلية لها تعطي ذلك الفيض من الايقاع التعبيري . مما يشعرنا بذلك العمق الاتي من رقة اللمسة النحتيه وعنفها في ذات الوقت وبشكل محسوب سلفا ، فقد يضع قبعة من القش الملون او معطف من الحرير على طاولة دون ان يغير في شكلها شيء او يطرق بكل عنف عبر مكابس حديدية ضخمة قطع النحاس ليخلق شكلا  مستفيدا من كل شيءموجود في حياتنا اليومية باقصى مدى ممكن . فهو يتواصل من خلال عنصر الحركة مع ذات المادة اذ يجهد ان لا يعبث بروح المادة بل يبقيها حيه كي تعبر عن نفسها ،
ان كل ما موجود في هذا العالم عنده هو شكلا ومادة ، وهو بالتاكيد يغلب الشكل حتى يغدوا مضمون قائم بذاته ، فلمسات السطوح عنده مشحونه بملامحها التعبيرية وانفعالاتها الكامنة .

ان ذلك القطع والجمع الكولاجي يشعرنا وكأنه اختراق لروح المادة لاستخراج معاني جديدة مما يشكل رؤى متعددة تمس روح التلقي لدى المشاهد فاستخدامه لقبعة المقاتل المعدنية مكان الترس لمجموعة من السلاحف الزاحفة اوجمعه بين الخشب  والجلد لصنع نصب الانسان متعدد الوجوة والاتجاهات ،  وحتى تركه لاكواب الشاي واشياء اخرى – كما هي – داخل الاجساد البشرية المصنوعة من خردة الحديد او الاشكال الحيوانية والاقنعة وكل  تكويناته الحجرية فانها تحاول البوح ببعدها الدرامي ، محاولة الانتصار لقول فكرة ما لاتخفى على المشاهد كما في نحته لفصيل من الجنود بخوذهم الفولاذية وقد تقزموا بشكل لافت تحت ضغط ما  . فالعم الطيب يقف دائما وفي اغلب اعماله مع الانسان في استلابه فيعيد تشكيل صورته باشكال متنوعة تعكس معاناته والضغوط التي تمارس على انسانيته رغم روح المرح الظاهر للعيان في تجسيدها  وكأنه يرصد مساحات التصحر في الاعماق الانسانية . انه يحاول اكتشاف – جوهر – الاشياء بتوسيع دائرة التخيل فما نراه ليس تفسيرا لذات معينه بل جهدا فكريا واعيا  وغير واعي اكتنزه الفنان بداخله وظهرعبر هذه المنحوتات المتنوعة الاشكال والتكوينات .
فوعي الفنان يتراكم بميراث ضخم من الرؤى في تفاعل نوعي انتج اعمالا تمتاز بخيال خصب يعتمد على مورثه من الانثروبولوجيا الثقافية المغاربية والتي تعتمد ثقافة حكائية تمتاز بالاثارة حد النكتة والسخرية احيانا فاستخدمها كمعادل بصري مبتعدا بها عن المباشرة فظهرت معالجاته النحتية تحفل بسردية سريالية ذات ابعاد شعبية تعتمد التوظيف الجمالي للخصائص البنائية والفنية للخامات وعناصر التكوين ، متخليا وبشل ارادي عن واقعية الاشكال الى تجريدية تجريبية كي يصل الى الالهام المباشر بالوصول الى ابسط التكوينات واكثرها اثارة وابتكار .
ان اعمال  (عم الطيب ) تنشيء مدخلا لفنون الحداثة عبر تغير ما هو مرئي ، فرغم اختلاط الرؤى والمفاهيم لكن صياغات الفنان ووعيه تقدم علاقة جدلية فنية ذات خصوصية متفردة بالعفوية تتأكد فيها رؤية أدهاش المشاهد ليصل الى قمة المتعة لان عالمه وببساطة عالم حقيقي وغير حقيقي في ذات الوقت .. عالم غرائبي يستند الى العلاقة بين الانسان وما حوله فيحوله من مجموعة نماذج احادية مجردة الى مخلوقات تنهض على نفي هذه الاحادية وتتجاوزها الى تعدد الأصوات بما تقدم من ابعاد جديدة تمثل الدلالة التي تهيمن على حياتنا وما تطرحه من تسأولات بلغة اشارية في اعلى مستوياتها لاعادة صياغة هذا الواقع . انها تبض بحكمة دلالية انفتاحية قد تنبع من عبثية قصدية تترجم الاحساس بالتمرد الانفعالي الحاد للفنان وكما يقول البير كامو ( ان الفن هو صورة خالصة للتمرد الانساني ..) لذا نراه يوجه صرخه لهذا العالم  ، بانه موجود ويعبث بعفوية رغم كل شيء.. وها هو يعيد تشكيل العالم كما يشاء  عبر اعماله المتناثرة بفوضى مشتته في ارجاء المتحف ، تحقق لها نظام متسق في وحدة وجدانية انفعالية وبفعل وعي مهيمن استطاع السيطرة على وعي الاخرين بالصدمة والدهشة التي هي وليدة ظروف واقعنا المعاش عكسها الفنان كي يوقظ فينا شيء ما . فاعماله بغرائبيتها وغموضها ومغايرتها للسائد قدمت تجربة حداثية في خطاب النحت والتشكيل  التونسي  والعربي قد تدفع بالاخرين الى مزيد من الجرأة في ممارسة التجريب  ، فما الفن الا تجديد دائم لا يتوقف ..
محسن الذهبي
كاتب عراقي مقيم في بريطانيا

 

عن admin

شاهد أيضاً

بنغلوريات – حكمت حسين

  شذى حسين ، صبية في العشرين ، تعيش في مدينة بنغلور منذ اشهر لتلقي …

13 تعليق

  1. Quality content is the important to invite the visitors to
    visit the website, that’s what this site is providing.

  2. Nice post. I learn something new and challenging on blogs I stumbleupon everyday.
    It will always be interesting to read articles from other authors and use a little something from their web sites.

  3. Hello there, I do think your blog may be having browser compatibility problems.
    When I look at your blog in Safari, it looks fine however,
    if opening in I.E., it has some overlapping issues. I merely wanted to
    give you a quick heads up! Other than that, wonderful website!

  4. Just want to say your article is as astonishing.
    The clearness for your publish is just excellent and i could suppose you are a professional in this subject.
    Fine along with your permission let me to grasp your feed to stay up to
    date with approaching post. Thanks 1,000,000 and please carry on the gratifying work.

  5. What i do not understood is in truth how you’re no longer really
    a lot more well-favored than you may be now. You’re very intelligent.
    You already know therefore significantly relating to this topic, made me in my
    opinion consider it from a lot of numerous angles.
    Its like men and women aren’t interested until it’s something to do with Woman gaga!
    Your own stuffs outstanding. Always deal with it up!

  6. Highly energetic article, I loved that bit. Will
    there be a part 2?

  7. Fantastic site you have here but I was wanting to know if you knew of any discussion boards that cover the same topics discussed here?
    I’d really like to be a part of online community where I can get responses from other knowledgeable individuals
    that share the same interest. If you have any recommendations,
    please let me know. Cheers!

  8. I constantly emailed this weblog post page to all my contacts, for the
    reason that if like to read it after that my friends
    will too.

  9. You ought to be a part of a contest for one of the most
    useful blogs online. I most certainly will highly recommend this blog!

  10. What’s up, I read your new stuff daily. Your writing style
    is witty, keep doing what you’re doing!

  11. Its like you read my mind! You seem to know a lot about this,
    like you wrote the book in it or something. I think that you
    can do with a few pics to drive the message home a bit, but instead of that, this is excellent blog.
    An excellent read. I’ll certainly be back.

  12. I have been surfing online more than three hours today, yet I never found any interesting article
    like yours. It’s pretty worth enough for me. Personally, if all web owners and bloggers made good content as you did, the net will be a lot more useful
    than ever before.

  13. But to have full benefits of all the top features of digital dj 8 you must have full-version of
    virtual dj. So this is how to accomplish it.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.