الخميس , أغسطس 16 2018
الرئيسية / مقالات / مقالات ادبية / دار عم الطيب .. متحف خاص بغرائبية الإنسان المعاصر – محسن الذهبي

دار عم الطيب .. متحف خاص بغرائبية الإنسان المعاصر – محسن الذهبي

قد لا يعرفه الكثير من عشاق الفن في العالم وحتى في عالمنا العربي لكن ابناء مدينة (سوسه ) التونسية يكنون له احتراما كبير ، فيطلقون عليه – العم الطيب  –  حتى غدا من اهم العلامات الثقافية الحقيقية والمتميزة للمدينة رغم غرقها في طوفان الافواج السياحية واغراق اسواقها بفنون وصناعات شعبية استهلاكية تخدم اغراض سياحية .
ذلك هو النحات التونسي (الطيب بلحاج احمد )  الفنان والانسان الطيب فعلا ، يستقبلك بوجه الباسم وبسنوات عمره التي تجاوز الستين وشعره المبيض بفعل السنين على باب محترفه الفني ومتحف فنه والذي كتب على بابه (متحف خاص للفن المعاصر ) لياخذك الى عالمه الغريب .. عالم خاص جدا .. قلما تشاهد مثله في العالم العربي ، يصف اعماله الناقد التشكيلي التونسي عمر الغدامسي بدت (وكأنها كائنات قادمة من كوكب آخر )
تلك هي دار عم الطيب بباحتها وطابقيها تضم منحوتاته باشكالها العجيبة اذ يتألف بشكل غريب كل ما في الطبيعة من مواد لتتوالد منها اشكالا نحتيه ، فمن ركام النحاس والحجر والرخام والفولاذ الى اطارات السيارات المطاطية مرورا بالخشب والقش والسيراميك بل كل ما يقع تحت يده من اشياء يوظفه في تكوين منحوتاته ، فهو يبحث في قابلية خواص المادة قبل تركيبها من اجل ايجاد صياغة شكلية لها تعطي ذلك الفيض من الايقاع التعبيري . مما يشعرنا بذلك العمق الاتي من رقة اللمسة النحتيه وعنفها في ذات الوقت وبشكل محسوب سلفا ، فقد يضع قبعة من القش الملون او معطف من الحرير على طاولة دون ان يغير في شكلها شيء او يطرق بكل عنف عبر مكابس حديدية ضخمة قطع النحاس ليخلق شكلا  مستفيدا من كل شيءموجود في حياتنا اليومية باقصى مدى ممكن . فهو يتواصل من خلال عنصر الحركة مع ذات المادة اذ يجهد ان لا يعبث بروح المادة بل يبقيها حيه كي تعبر عن نفسها ،
ان كل ما موجود في هذا العالم عنده هو شكلا ومادة ، وهو بالتاكيد يغلب الشكل حتى يغدوا مضمون قائم بذاته ، فلمسات السطوح عنده مشحونه بملامحها التعبيرية وانفعالاتها الكامنة .

ان ذلك القطع والجمع الكولاجي يشعرنا وكأنه اختراق لروح المادة لاستخراج معاني جديدة مما يشكل رؤى متعددة تمس روح التلقي لدى المشاهد فاستخدامه لقبعة المقاتل المعدنية مكان الترس لمجموعة من السلاحف الزاحفة اوجمعه بين الخشب  والجلد لصنع نصب الانسان متعدد الوجوة والاتجاهات ،  وحتى تركه لاكواب الشاي واشياء اخرى – كما هي – داخل الاجساد البشرية المصنوعة من خردة الحديد او الاشكال الحيوانية والاقنعة وكل  تكويناته الحجرية فانها تحاول البوح ببعدها الدرامي ، محاولة الانتصار لقول فكرة ما لاتخفى على المشاهد كما في نحته لفصيل من الجنود بخوذهم الفولاذية وقد تقزموا بشكل لافت تحت ضغط ما  . فالعم الطيب يقف دائما وفي اغلب اعماله مع الانسان في استلابه فيعيد تشكيل صورته باشكال متنوعة تعكس معاناته والضغوط التي تمارس على انسانيته رغم روح المرح الظاهر للعيان في تجسيدها  وكأنه يرصد مساحات التصحر في الاعماق الانسانية . انه يحاول اكتشاف – جوهر – الاشياء بتوسيع دائرة التخيل فما نراه ليس تفسيرا لذات معينه بل جهدا فكريا واعيا  وغير واعي اكتنزه الفنان بداخله وظهرعبر هذه المنحوتات المتنوعة الاشكال والتكوينات .
فوعي الفنان يتراكم بميراث ضخم من الرؤى في تفاعل نوعي انتج اعمالا تمتاز بخيال خصب يعتمد على مورثه من الانثروبولوجيا الثقافية المغاربية والتي تعتمد ثقافة حكائية تمتاز بالاثارة حد النكتة والسخرية احيانا فاستخدمها كمعادل بصري مبتعدا بها عن المباشرة فظهرت معالجاته النحتية تحفل بسردية سريالية ذات ابعاد شعبية تعتمد التوظيف الجمالي للخصائص البنائية والفنية للخامات وعناصر التكوين ، متخليا وبشل ارادي عن واقعية الاشكال الى تجريدية تجريبية كي يصل الى الالهام المباشر بالوصول الى ابسط التكوينات واكثرها اثارة وابتكار .
ان اعمال  (عم الطيب ) تنشيء مدخلا لفنون الحداثة عبر تغير ما هو مرئي ، فرغم اختلاط الرؤى والمفاهيم لكن صياغات الفنان ووعيه تقدم علاقة جدلية فنية ذات خصوصية متفردة بالعفوية تتأكد فيها رؤية أدهاش المشاهد ليصل الى قمة المتعة لان عالمه وببساطة عالم حقيقي وغير حقيقي في ذات الوقت .. عالم غرائبي يستند الى العلاقة بين الانسان وما حوله فيحوله من مجموعة نماذج احادية مجردة الى مخلوقات تنهض على نفي هذه الاحادية وتتجاوزها الى تعدد الأصوات بما تقدم من ابعاد جديدة تمثل الدلالة التي تهيمن على حياتنا وما تطرحه من تسأولات بلغة اشارية في اعلى مستوياتها لاعادة صياغة هذا الواقع . انها تبض بحكمة دلالية انفتاحية قد تنبع من عبثية قصدية تترجم الاحساس بالتمرد الانفعالي الحاد للفنان وكما يقول البير كامو ( ان الفن هو صورة خالصة للتمرد الانساني ..) لذا نراه يوجه صرخه لهذا العالم  ، بانه موجود ويعبث بعفوية رغم كل شيء.. وها هو يعيد تشكيل العالم كما يشاء  عبر اعماله المتناثرة بفوضى مشتته في ارجاء المتحف ، تحقق لها نظام متسق في وحدة وجدانية انفعالية وبفعل وعي مهيمن استطاع السيطرة على وعي الاخرين بالصدمة والدهشة التي هي وليدة ظروف واقعنا المعاش عكسها الفنان كي يوقظ فينا شيء ما . فاعماله بغرائبيتها وغموضها ومغايرتها للسائد قدمت تجربة حداثية في خطاب النحت والتشكيل  التونسي  والعربي قد تدفع بالاخرين الى مزيد من الجرأة في ممارسة التجريب  ، فما الفن الا تجديد دائم لا يتوقف ..
محسن الذهبي
كاتب عراقي مقيم في بريطانيا

 

عن admin