الإثنين , أغسطس 20 2018
الرئيسية / مقالات / مقالات ادبية / بنغلوريات – حكمت حسين

بنغلوريات – حكمت حسين

 

شذى حسين ، صبية في العشرين ، تعيش في مدينة بنغلور منذ اشهر لتلقي العلاج من مرض رافقها منذ الصغر ، كانت السبب في زيارتي لهذه المدينة التي تعد ثالث أكبر مدينة في الهند ، ويقطنها حوالي 7 ملايين مواطن ، وهي عاصمة ولاية كارناتاكا جنوب شبه القارة الهندية . ومنذ البداية يكون شعور الحزن مرافقاً ، لأن اعدادا كبيرة من العراقيين يضطرون الى السفر خارج العراق مثل الهند وايران وغيرها من الجوار للمعالجة بسبب عدم توفر تلك الإمكانيات في العراق ، رغم كل ما صرف من ميزانيات الى وزارة الصحة العراقية ، ذهب أغلبها في دهاليز الفساد ، بعد ان كان العراق في مقدمة دول المنطقة منذ الخمسينيات ، وشهادات كليات الطب معترف بها عالميا لأنها تعتمد البورد البريطاني في ذاك الزمان ، وبدأ التراجع منذ أيام الدكتاتورية والحصار ، واستمر في ذلك بعد التغيير في عام 2003 .

لم أجد سببا واضحاً لاستعمال كافة سائقي السيارات للضوء العالي اثناء القيادة ليلاً ، داخل وخارج المدينة ، وكنت قلقاً من الاصطدام في أية لحظة ، ربما بسبب نظام السير على جهة اليسار المختلف والمشابه لنظام السير البريطاني ، وبالطبع أخفيت قلقي وراء احاديث واسئلة متنوعة مع مضيّفي وصديقه صاحب السيارة في الطريق من المطار الى المدينة الذي يبلغ حوالي ساعة واحدة ، بعد إجراءات الدخول المعقدة من تعبئة ثلاث استمارات إضافية لنفس المعلومات وأخرى غيرها المكتوبة في طلب الفيزا الطويل .

ومثل باقي مدن الهند الأخرى تتشكل بنغلور من مجتمع متعدد الأديان والأعراق واللغات ، حيث يعترف الدستور بأكثر من 25 لغة رسمية  ويصل عدد اللهجات الى 1,652 لهجة ، وحوالي 300 ديانة ، ورغم الإصلاحات الاقتصادية الكبيرة منذ التسعينيات ووصول الهند الى ثاني عشر أكبر اقتصاد عالمي وواحدة من أكثر الاقتصادات نمواً ، الا انه لازال هناك مستويات عالية من الفقر والامية وسوء التغذية بسبب الكثافة السكانية الهائلة حيث يبلغ عدد السكان 1,27 مليار نسمة وبذلك هي ثاني أكبر دولة في العالم بعد الصين . ومع ذلك يقع في هذه المدينة المعهد الهندي للعلوم أول معهد للعلوم بالهند وتعد المدينة مركزا تكنولوجيا إذ تضم أكثر من 1500 شركة تكنولوجية  .

يمكن الحصول على سيارة تكسي من خلال الاتصال التليفوني مع شركات متخصصة فقط  ولا يتوفر في الشارع مباشرة ، حيث تسيطر الدراجة الثلاثية ، وتسمى “اوتو” أو “توك توك” ، التي تتسع لشخصين فقط ، وهي واسطة النقل الخاص التي لابد من استخدامها في التنقل القريب رغم الخوف الذي لازمني خلال ركوبها اليومي المتكرر ، فالسرعة هي سمة عامة عند الجميع ، والتسابق المتأرجح يميناً ويساراً بين أصحاب الدرجات تلك يدعوك الى التمسك بقضيب الحديد الذي يشكل جزء من هيكلية الدراجة . ولاينتهي الأمر هنا فأصوات منبهات الدراجات والسيارات ، على اختلاف أنواعها ، تتسابق في من يكون صوته اعلى ومتواصل ، فمنذ لحظة مغادرتك أي مكان حتى لحظة وصولك المكان التالي ، فأنت تسمع زعيق متواصل بين المركبات والسيارات على اختلافها ، ويضيع بينها صوت صفارة شرطي المرور ، وتستخدم الدراجة النارية وسيلة النقل الفردي للنساء والرجال على حد سواء ، وهنا تتميز النساء باستخدام الخوذة الواقية عند السير على خلاف الرجال ، ويشترط القانون على سائق السيارة فقط ربط حزام الأمان ، ومن المضحك حقاً ان سائق التكسي كان يعترض دائماً عندما كنت استخدم الحزام ويطلب مني معترضاً ، وبابتسامة هازئة ، عدم استخدامه .

في المستشفيات التخصصية الخاصة التي يتلقى فيها العراقيون ، واليمانيون مؤخراً ، تقرأ باللغة العربية ، الى جانب الإنكليزية والبنجابية كلمات مثل ” قسم الأشعة  أو غسيل الكلى ” لكثرة الزوار العرب ، وتلتقي هناك بشباب أنهوا دراستهم الأكاديمية في الهند ، باختصاصات أخرى غير الطب ، يعملون كمترجمين ، لأنهم وذويهم في العراق لا يرغبون بعودتهم ، بسبب الوضع الأمني أولاً وفقدان فرص العمل ثانياً . وتسمع هناك قصصاً تزيد من الحزن على العراق ، حيث يقول السيد سمير عبد الأحد ان زوجته تعاني من السرطان ولا يتوفر العلاج المناسب والكفاءة المناسبة وحتى الثقة بالأطباء والنظام الصحي في العراق ، ولا ينسى ان يخبرنا أنه اثناء عملية إزالة كيس دهني من الرحم في احدى مستشفيات بغداد الخاصة ، خرجت له الطبيبة العراقية ، ويديها ملطخة بالدم لتخبره انها اكتشفت وجود سرطان في الرحم وعليه يجب الاتفاق على سعر جديد اذا أراد اكمال عملية تنظيف الرحم أو إعادة غلقه اذا لم يوافق على المبلغ الجديد .

من المهم جداً عند طلب أي طعام في أي مطعم ان تقول وتؤكد ان الأكل يجب ان يكون غير حار ( من البهارات ) لأنك ستصدم بحرارة بالغة حتى لو كنت من محبي الأكل الحار ، وربما عليك أيضاً ان تطلب شوكة وسكين ، فهي ليست متوفرة على الطاولة أو مع الوجبات المطلوبة . وتتنوع مراكز التسوق حسب المستويات الاقتصادية والمعيشية لمرتاديها ، وهي عموما على النمط الأوربي ، وتشترك جميعا هذه الأيام في الزينة والديكورات الملونة بمناسبة أعياد الميلاد والسنة الجديدة ، وفي غالب الأحيان تكون الأسعار رخيصة لمن قدم من اوربا ، وربما غالية لمن قدم من العراق ، أما أسواق المدينة الشعبية فكبيرة وممتدة على شوارع عدة ومزدحمة جدا خاصة في يوم الأحد عطلة نهاية الأسبوع الوحيدة  ، وهي تشابه سوق الشورجة في بغداد أو سوق الهنود ( المغايز ) في البصرة .

الطقس في مدينة بنغلور معتدل، وتتراوح درجات الحرارة ما بين 20-36 درجة مئوية في الصيف، وفي الشتاء من 10 إلى 30 درجة مئوية ، و يستخدمون المراوح السقفية ، وكان ذلك ممتعاً لي وانا القادم من درجات حرارة بين 2 فوق الصفر وثمانية تحت الصفر ، ولكن في المطعم المكسيكي كانت المروحة عمودية منصوبة على عمود بارتفاع ثلاثة أمتار في شكل غريب لم أألفه من قبل .

لم يسعفني الوقت للاطلاع على كل معالم المدينة ، لكن بنغلور تلقب ب ” غاردن ستي ” بسبب حدائقها الكثيرة والجميلة والقصور والمعابد والمعالم التاريخية ومجمعات السينما والترفيه ، جنبا الى جنب مع بازارات التسوق المزدحمة ، وهي أيضاً مركزا رئيسياً للموسيقى والرقص الكلاسيكي الهندي ، فضلاً عن الأنشطة الترفيهية الليلية الحيوية والمثيرة ، كل ذلك يجعلها واحدة من أهم معالم الجذب السياحي في الهند .

عائداً تركتُ عزيزتي شذى في المستشفى يغسلون لها الكليتين ، وهي لا تدري متى تعود الى دراستها الجامعية والى أهلها في العراق ، وينظر والدها اليها بأمل وتفاؤل أن تستعيد عافيتها ، وأن يتحسن مستوى الخدمات الطبية في العراق حتى لا يضطرا الى المجيء الى الهند ، الأمر الذي استنزف منهم مبالغ كبيرة جداً ، ولسان حالهما يقول : ماذا بشأن الناس الفقراء في العراق ، من يؤمن لهم العلاج المطلوب ، وبكلفة مقبولة ؟ سؤال كبير امام جهاز الحكومة العراقية .

حكمت حسين
كوبنهاكن 21 كانون الأول 2014

عن admin