الأربعاء , فبراير 21 2018
الرئيسية / مقالات / مقالات ادبية / انطباعات الحاجة ام باسم ، الاسلام هنا – حكمت حسين

انطباعات الحاجة ام باسم ، الاسلام هنا – حكمت حسين

اتيحت الفرصة لوالدتي ان تزورني في الدنمارك في شهر نيسان عام 2002 ، وقضت خمسة أشهر بين مدينتي كوبنهاكن ومدينة البورغ شمال الدنمارك حيث كانت تسكن خالتي وبناتها هناك . كانت سعيدة جدا لاني استضفتها هنا في بيتي مع عائلتي الصغيرة بعد فراق 24 عاما ، وكذلك وصولها الى اوربا التي كانت بمثابة الحلم البعيد جدا .
كانت مندهشة لكل الاشياء الايجابية التي شاهدتها وتعرفت عليها في الحياة اليومية للمجتمع الدنماركي ، وكانت دائما تقارن بين ما تتعرف عليه بالوضع في العراق حينذاك ، وتشتم الدكتاتور المقبور من كل جوارحها .

– في أول انطباع لها بعد خرونا من المنزل في اليوم الثاني لوصولها ووقوفنا لانتظار الباص عبرت عن دهشتها الكبيرة عندما شاهدت ممرا خاصاً للدراجات الهوائية بجانب الرصيف ومنعزل عن الشارع الذي تسير به السيارات ، كانت مسرورة لأن الممر الخاص يحمي راكبي الدراجات من الحوادث المحتملة عند السير في الشارع مع السيارات ، وكانت متفاجئة جدا من كثرة راكبي الدراجات الهوائية ومن مختلف الاعمار ومن كلا الجنسين .

– في دائرة النفوس حيث كان علينا تسجيل وصولها كونها حاصلة على حق الاقامة في الدنمارك ، جلست صامتة وعيونها ترصد الموظفة التي تكتب بعض الاوراق وطلبت جواز سفر والدتي واستنسخت صفحة ختم الدخول وانهت عملها ببضع دقائق . بعد خروجنا كانت علامات الدهشة الكبيرة لاتفارق والدتي حتى قالت لي : بالعراق يصرخ موظف الدائرة الحكومية بنا عندما يطلب استنساخ أية وثيقة ، وننزل طوابق ونصعد طوابق بعد ان ندفع ثمن الاستنساخ ، وهنا عندكم الموظفة استنسخت الجواز بنفسها ، ومجانا ، وفوق كل ذلك عندما اعادت جواز السفر لي قالت ” شكرا ” .

– اجلستها في مقعدها المخصص في القطار المتوجه الى شمال الدنمارك وابلغتها ان تنزل في الساعة كذا وستكون خالتي بانتظارها ، كان لديها شك وخوف ان تنزل في محطة اخرى لانها لم تتعود انتظام وصول القطار بمواعيده المحددة ، اوصيت موظف القطار بشأنها وكنتُ مطمئنا من وصولها بسلامة . بعد وصولها اتصلت بها لاطمئن عليها ، فاجئتني بالقول : ” يمه ، انتو ماعدكم كاع ” ، لم افهم ماتقصد ولكنها سارعت بالقول انها لم تشعر بالساعات الخمس التي استغرقتها الرحلة لانها كانت منبهرة باللون الاخضر الذي يغطي كل المسافات التي مر بها القطار ولم ترى لون الارض بتاتا ، وكانت تتذكر وتقارن مع الطريق الصحراوي الموحش من البصرة الى بغداد . 

– كانت تشك احيانا اني اقول لها الحقيقة وتسألني بود وخجل : ” خو ما تجذب عليه يمه ” واجيبها بالنفي ، وشكوكها تنبع انها لاتتوقع ماتراه بعينها ، مثل وقوفنا في ساحة قصر الملكة وعن بعد امتار من باب قصرها وبجانب الحرس الملكي ونلتقط صورا للقصر والحرس والساحة قدر ما نريد ، أو ان وزارة الدفاع عبارة عن بناية كباقي البنايات لايوجد امامها حرس ويمكن معرفتها فقط من  يافطة صغيرة عند الباب ، وهنا تتذكر ممنوعات المرور قرب مقرات حزب الدكتاتور ومنازل المسؤولين في البصرة وتشتمهم قدر ما تستطيع .

– زرنا طبيب العائلة وطلب لها بعض التحاليل وسألها اسئلة كثيرة جدا ، كما اعتقدت هي ، ولم تكن لتتصور ان الطبيب يستغرق وقتا طويلا في فحص المريض ، كما حدث معها ، وفوق كل ذلك نخرج دون ان ندفع فلسا واحداً ، احتجت الى وقت ليس بالقليل لأشرح لها النظام الضريبي الذي يوفر الخدمات الطبية . من جديد شتمت الدكتاتور وزمانه .

– كان يُسعدها مشاهدة النساء كبيرات السن من فوق السبعين عاما وهن يعشن حياتهن بشكل مريح وممتع عندما تشاهدهن في المقاهي ومراكز التسوق وتقارن مع نساء العراق اللواتي يلفهن السواد والحزن ، ولكنها كانت تنزعج جدا عندما تشاهد امرأة كبيرة السن تجلس في المقهى امامها وتخرج احمر الشفاه من حقيبتها لتضعه على شفتيها ، كانت والدتي تعبر عن انزعاجها بكلمات استهجان عميقة ، وعندما كنت اقول لها ان عمل المرأة لايؤثر على الآخرين وليس هناك مَن يهتم بالامر ، تتراجع عن انزعاجها رغم عدم قبولها الامر .

– واستخدمت نفس كلمات الانزعاج العميقة عندما كنا نجلس في احدى مقاهي شارع التسوق الرئيسي امام احد اكبر المخازن التجارية ، عندما مرت من امامنا شابتان ترتديان ملابس السباحة فقط ، كدعاية يقوم بها المخزن التجاري لهذه البضاعة . كانت تتفهم الانفتاح الثقافي والاجتماعي ، لكن لم يخطر ببالها ان تتمشى الناس في البكيني في شارع عام ، كانت تود ان لاترى هذه الامور لتحتفظ فقط بالصور الايجابية .

– كانت تحاول ان تُخفي خوفها من الاشياء الجديدة عليها ، وتفشل دائما في ذلك ، ومنها عندما اخذنا الباص للسفر الى السويد وكان على الباص ان يدخل الى العبارة التي تنقلنا الى الساحل الآخر من البحر . كانت خائفة من ان تغرق العبارة بعدما شاهدت عدد الباصات والسيارات والمسافرين الكبير على متن العبارة ، وفرحت كثيرا عند انتهاء الرحلة .

– من أهم الامور التي ادهشتها حقا هو اني فقدت حقيبتي اليدوية قبل اسبوعين من موعد عودتها للعراق وكان جواز سفرها في الحقيبة ، اتصلت بشركة باصات النقل حيث افترضت نسيانها في احد الباصات واجابوني ان المواد التي يُعثر عليها السواق تُسلم في نهاية يوم العمل  وعليّ الانتظار لليوم التالي ، كانت ليلة طويلة جدا لانه من المستحيل الحصول على جواز سفر لها من سفارة الدكتاتور المقبور في السويد . ذهبت الى المكان في الصباح الباكر وأعطيت مواصفات الحقيبة واذا بالموظف يرفعها سائلا بكل برود : هل هذه ؟ فرحتُ كثيرا وفحصتها ووجدت الجواز ، واتضح لاحقا ان الحقيبة لم تفتح نهائيا لان في داخلها نقود كانت موجودة ايضا . عندما اخبرتها بالأمر رفعت يديها للسماء تدعوا بالخير للسائق الذي اوصل الحقيبة ، لم تُصدق ان هذا ممكن في مكان ما من الدنيا ، وحدثتني عن سرقات تعرضت لها وغيرها شملت حتى ملابس منشورة على سطح المنزل .

– كونها حصلت على الاقامة كان بمقدورها البقاء في الدنمارك ، ورغم انها كانت مرتاحة جدا ، حسب تصريحاتها المتكررة ، إلا انها قررت العودة للعراق والى حياتها السابقة ونشاطاتها العائلية والاجتماعية الكثيرة ، رغم انها كانت تشتم الدكتاتور المقبور يوميا ولأكثر من مرة . أهم استنتاج لها بعد خمسة اشهر هو :
” الاسلام الحقيقي موجود هنا في الدنمارك وليس في العراق وغيره من البلدان الاسلامية ، الكل له سكن لائق ، الكل له عمل ، ومن لايعمل له دخل شهري مجزي ، بامكان الجميع الذهاب الى الطبيب مجانا ، لااحد يعتدي على الآخر ، لايسرقون ولا يكذبون ، كل الخدمات متوفرة ولكل الناس ، مجتمع متواضع ومنفتح ، بلد نظيف وكهرباء متوفرة باستمرار ، وكل الوصايا التي جاء بها الاسلام موجودة هنا ” .

– لم تنتظر لتستقبلني في العراق ، فقد غادرت بعد وقت قصير من سقوط الدكتاتور ، وانا مطمئن انها مرتاحة مني في رقدتها الاخيرة .

حكمت حسين
9 آيار 2013

عن admin

شاهد أيضاً

بنغلوريات – حكمت حسين

  شذى حسين ، صبية في العشرين ، تعيش في مدينة بنغلور منذ اشهر لتلقي …