الأربعاء , فبراير 21 2018
الرئيسية / مقالات / مقالات ادبية / الفلم الدنماركي ( المطاردة) : الإنسان طريدة الأعراف وخيال الطفولة

الفلم الدنماركي ( المطاردة) : الإنسان طريدة الأعراف وخيال الطفولة

الفلم الدنماركي ( المطاردة) : الإنسان طريدة الأعراف وخيال الطفولة

شاكر الناصري
على الرغم من ان توماس فينتربيرج مخرج فلم المطاردة قد سعى الى ابراز قضية ضحايا التحرش والاعتداء الجنسي على الاطفال والتي تعتبر من القضايا التي تؤرق المجتمع الدنماركي خصوصا وانها تقع على اطفال باعمار صغيرة ولا يمتلكون القوة والقدرة على التعبير عن ما لحق بهم جراء هذه الجرائم، الا انه تمكن أيضا من تسليط الضوء وبشكل مثير على قوة العرف الأجتماعي المنغلق والمتوارث في مجتمع تقليدي منعزل والذي يفرض وطأته على الانسان ويحيله الى طريدة عاجزة ومحاربة ومعرضة للانتهاك في اية لحظة ما ان تساوره الشكوك، اي المجتمع التقليدي، ازاء هذا الانسان او لمجرد الشبهة او حين يكون ضحية لإشاعة قاتلة. انها الاعراف والتقاليد الأجتماعية المتوارثة بكل تقاطعاتها مع الحياة الإنسانية المعاصرة التي يخضع الإنسان لها وغير قادر على الفكاك منها رغم كل ما يحيط به من مقدرات وإمكانات ثقافية ومعرفية وتقنية.

في هذا الفلم، نحن ازاء شخصية نيكولاس – قام بأدائه الممثل البارع مادس ميكلسين الذي حاز على جائزة أفضل ممثل خلال الدورة الاخيرة لمهرجان كان السينمائي- يعيش وحيدا مع كلب وله ولد واحد من زوجته السابقة التي لم نشاهدها كشخصية من شخصيات الفلم ولكن سمعنا صوتها من خلال الاتصالات الهاتفية بينها وبين نيكولاس واحاديثهما عن ابنهم الوحيد وحياته ووضعه في مدرسته.

نيكولاس ينتمي الى مجموعة من السكان الذي تحكمهم اعراف وتقاليد اجتماعية تقليدية متوارثة تتمثل في ممارستهم لمهنة الصيد وتوريثها لأبنائهم بتلذذ وباحتفاء كبيرين ما ان يبلغوا سن السادسة عشر في طقوس تدلل على مدى الانغلاق الذي يعيشه هذا المجتمع المحافظ وما سيصدر عنه من قسوة وتعامل مهين ضد نيكولاس ما ان تنتشر الاشاعة التي ابتكرها خيال الطفلة كلارا ضده.

نجح المخرج في أبراز ملامح هذا المجتمع المنغلق من خلال لحى عدد من الرجال واصواتهم الخشنة وحياتهم الصاخبة التي يمارسونها خلال حفلات الصيد وتمتعهم بسلطة القرار المطلق داخل بيوتهم وبين عائلاتهم. وفي الوقت نفسه فإن مجموعة الممثلين في الفلم قد أدوا أدوارهم بحرفية عالية فأبدعوا في إبراز شخصياتهم ودواخلها خصوصا توماس بو لارسن و لارس رانث والكساندرا رابابورت.

نيكولاس يعمل مربيا في احدى رياض الاطفال. يحب عمله ويمتلك شخصية محببة وحضوراً مؤثراً بين الاطفال الذين يتعلقون به وينتظرون حضوره الى الروضة صباح كل يوم وبفارغ الصبر وبالكثير من الاحتيال من اجل اللعب معه وهو الذي لا يتردد عن اداء وممارسة الاصوات والحركات التي تثير البهجة في نفوس الصغار، الذين ينظر البعض منهم الى هذا المربي وكأنه الاب الحقيقي لما يبديه من رعاية واهتمام ولعب متواصل وهذا ما حدث مع الطفلة كلارا ابنة اقرب اصدقاء المربي . كلارا التي صنعت هدية عبارة عن قلب وغلفتها وكتبت عليها “إلى أبي” ووضعتها في جيب سترة المربي الذي اكتشفها وعرف انها منها فطلب منها ان تعطيها لوالدها الحقيقي ولكنها أنكرت معرفتها بالهدية وبمن صنعها ومن خلال هذا الموقف فانها تبدأ بصنع حكاية مريعة عن المربي الذي عبرت عن كرهها له امام مديرة الروضة ووصفته بانه ( بشع وغبي ولديه قضيب) هذا الوصف الذي احدث انقلابا في مسار الفلم وفي تحوله الدرامي حيث سيتحول المربي الودود الى منتهك لبراءة الاطفال متحرشا ومعتديا عليهم جنسيا ومجرما خطيرا ومطاردا من قبل الجميع وتمارس بحقه الكثير من التجاوزات والنبذ والخشية من التعامل معه وان حضوره في مكان ما يكون مدعاة لأثارة الذعر وسط الحضور كما في مشهد هروب مديرة الروضة ما ان دخل الى الغرفة التي كانت تعقد فيها اجتماعا لعوائل الأطفال وعدد من المربيات وحيث يتدخل احد الحضور، كان من أصدقاءه المقربين، لأجباره وبالقوة على مغادرة المكان وكذلك منعه حتى من التسوق وشراء احتياجاته اليومية من المتاجر الموجودة في المنطقة التي يسكنها. هذا المنع الذي كان مقرونا بالاعتداء عليه وضربه بشكل بشع من قبل العاملين في احد المتاجر. لم تتوقف الاعتداءات بحق نيكولاس و ولده الذي عرف بمشكلة والده بعد ان اتصلت مديرة الروضة به،بل تصل حد القاء الحجارة على بيته وتحطيم زجاج نافذة المطبخ وقتل الكلب المحبب له ولولده ورمية ملفوفا بكيس نفايات امام منزله ولعل مشهد دفن الكلب من المشاهد المؤثرة في الفلم وتكشف عن درجة تصاعد بناء الشخصية الدرامية لبطل الفلم الذي يجد نفسه وحيدا وسط دوامة من النبذ والتشهير والشكوك التي تتسرب الى أقرب الناس اليه حبيبته “نادجا، مثلتها الكسندرا رابابورت” التي تعمل معه في الروضة ولا تجيد التحدث باللغة الدنماركية والتي تقتحم عليه حياته ووحدته فتقيم معه علاقة حب حميمة وكذلك وسط مطاردة اجتماعية بشعة تزيده عزلة رغم إصراره على إثبات براءته من تهمة التحرش الجنسي بالطفلة كلارا كما حدث في مشهد إصراره على رد اعتباره لنفسه و ضرب عامل السوبرماركت الذي ضربه بقسوة وكذلك مشهد الكنسية ليلة عيد الميلاد وكان من المشاهد المهمة في الفلم. ولكنه لم ينجح في ذلك وبقيت هذه التهمة تطارده حتى بعد مرور وقت طويل على اتهامه بها وعدم معاقبته قانونيا من قبل القضاء لأن هذه التهمة بقيت راسخة في عقل المجتمع المغلق الذي ينتمي إليه ولم يتمكن من التصالح معه رغم عودة علاقاته الاجتماعية وسط هذا المجتمع كما شاهدنا ذلك خلال حفل توريث ابنه الوحيد تقاليد حرفة الصيد وتسلمه بندقية صيد كانت لجده أصلا في مشهد يدلل على توارث الأعراف والقيم. الرصاصة التي اطلقت على نيكولاس ولم تصبه في نهاية الفلم كانت رسالة من المجهول الذي أطلقها بأن المجتمعات المنغلقة والتي تسير وفق أعراف جامدة وبعيدة عن قيم المجتمع المعاصر لن تنسى وستحتفظ بالحكايات وستطارده بالاتهامات وإن كانت باطلة ونتاج مخيال الطفولة.

 

يأتي فلم المطاردة ليكون احد النتاجات المتميزة للسينما الدنماركية التي تسعى للتركيز على القضايا الاجتماعية والتربوية والنفسية التي يواجهها الإنسان في المجتمع والتحديات التي يواجهها المجتمع كذلك بفعل التغيرات السياسية والاقتصادية في العالم والأزمات التي تحدث بفعل ذلك كالعنف والإرهاب والاختطاف والمخدرات والاغتصاب. فهذه السينما التي قدمت العديد من الأفلام المتميزة والناجحة خلال السنوات الماضية حققت حضورا عالميا مميزا ونافست وبقوة للحصول على جوائز عالمية بمستوى الأوسكار كما حدث مع فلم “الثأر” للمخرجة سوزانه بيير في عام 2011 وترشح فلم “نزوة ملكية” للمخرج نيكولاي أرسيل لجائزة اوسكار أفضل فلم أجنبي للدورة القادمة في شباط 2013 وجوائز الكولدن كلوب وكذلك جوائز مهرجانات عالمية مثل مهرجانات كان أو برلين وغيرها من المهرجانات السينمائية في العالم ، أبرزت كذلك مجموعة من المخرجين الذين يمتلكون رؤى سينمائية وإخراجية عالية جدا ولعل لارس فون ترير مخرج فلم “ميلنخوليا” وتوبياس لوندهولم مخرج فلم”اختطاف” ومخرج فلمنا هذا ( المطاردة) توماس فينتربيرج وسوزانه بيير وغيرهم العديد من المخرجين الدنماركين، يرسمون آفاقا مستقبلية رائعة للسينما الدنماركية.

عن admin

شاهد أيضاً

بنغلوريات – حكمت حسين

  شذى حسين ، صبية في العشرين ، تعيش في مدينة بنغلور منذ اشهر لتلقي …