الثلاثاء , يونيو 27 2017
الرئيسية / مقالات / مقالات ادبية / هل يمكن أن نعيش دون عنف ؟ – شاكر الناصري

هل يمكن أن نعيش دون عنف ؟ – شاكر الناصري


الفلم الدنماركي الثأر ” HÆVNEN  ”
هل يمكن أن نعيش دون عنف ؟
شاكر الناصري

منذ المشاهد الأولى لفلمها ” الثأر ” سعتْ المخرجة الدنماركية سوزان بيير الى زجّنا في عوالم هذا الفلم وشخصياته التي تعاملتْ معها بحرفيةٍ عاليةٍ فكانتْ بمستوى عالٍ من الأداء والتعبير لترسم لنا شخصيات قلقة وضعت وجها لوجه في مواجهة أقدار ووقائع مفزعة تدفعها لأن تكون في مواجهة مع الحياة وترتبك أمام الأسئلة التي تواجهها. عوالمٌ وشخصيات مختلفة المشاعر والمشاغل والهموم ،غير أنّ العنف سيصبح رابطها والمتحكم فيها .
الفلمُ يحكي لنا قصة الطبيب السويدي ( آنتون ) الذي يعيش في الدنمارك ، متزوج وله ولدين ، لكن علاقته بزوجته مهددة بالانفصال بسبب سفره الطويل وعمله في أماكن بعيدة تنسجم مع قيمه ونزعته الإنسانية المسالمة التي تذكرنا بفلسفة الزعيم الهندي غاندي وبقاء الزوجة وحدها تتحمل مسؤولية الأطفال . الطبيب يسعى لترسيخ قيم التسامح ونبذ العنف كقيم اجتماعيّة وثقافية لدى عائلته وأطفاله وزملاءه في العمل .
آنتون يعمل طبيباً في معسكر لللاجئين السودانيين يواجهون مخاطر كثيرة ويتعرضون للقتل والأغتصاب من قبل أطراف الصراع التي تتخذ من العنف المسلّح بكلّ ما يولّده من نتائج مدمرة وكارثية ، وسيلّة لحل صراعاتها . لكن ما يمرّ به من ظروف وحوادث تدفعه للأستسلام في لحظات معينة ليصبح العجز عن مواجهة العنف المنفلت والإستعداد الدائم للقتل لدى بني البشر كما لو أنه الحلّ الأخير . حيث يكتشف هناك حجم الإذلالات ( جمع إذلال ) والانتهاكات التي تفرض على أعداد هائلة من البشر وتعرضهم للإبادة والتشرد داخل المعسكرات وخارجها ورغبة العصابات المسلحة وقادة الحروب في تعقب ضحاياهم . ولعل الجهود التي يبذلها لمعالجة الإصابات الخطيرة وإنقاذه الضحايا من موتٍ محقق كما لو أنه قدرهم الأبدي ، يشعره براحة وسلام داخلي سرعان ما نكتشف هشاشته وتداعيه وعدم قدرة الطبيب على التماسك والحفاظ على نزعته المسالمة . فبعد أن عجز عن علاج امرأة مصابة بإصابات مميتة ، لتفارق الحياة بين يديه ، يطل “الزول الكبير” برأسه ليخبره وبسخرية مريرة : أن رجاله هم من قاموا باغتصاب هذه المرأة وتعذيبها وأطلاق النار عليها ، مما يدفع بالطبيب الى حالة من الانهيار والشعور بالعجز توصله الى تسليمه الى اللاجئين في المعسكر ليقتلوه مثلما قتل أطفالهم ونسائهم .
?How are you
?How are you
الجملة الإفتتاحية للفلم التي يرددها الأطفال ،بصخبهم ونظراتهم وإبتساماتهم ، كما لو أنهم يرددون أغنية من أغاني طفولتهم المسحوقة ، وهم يستقبلون الطبيب ومساعديه ، لحظة دخولهم المعسكر وكرروها كذلك في المشهد الأخير للفلم مع تلويحات وداع للطبيب ومساعديه لحظة خروجهم من المعسكر، فكانت جملة الختام ، تحمل الكثير من الدلالات فيما يتعلق بشخصية الطبيب آنتون ودواخل شخصيته بعد كل ما مر به لتقول له : كيف أنت ؟ ولكن المخرجة أتخذت منها سؤالا محيراً نردده مع الأطفال في مخيمهم البائس للدخول في عوالم الفلم وفهم ما يحدث لشخصياتها ودوامة عوالمها المضطربة والمحكومة بالعنف من حيث لا تدري  .
العنف هو الثيمة الأساسية التي يتعامل معها فلم الثأر وحيث يتم السعي الى إبرازها بأشكال مختلفة وفي أماكن وبيئات مختلفة أيضا ، فنكون في مواجهة مختلف أشكالها وتداعياتها ونتائجها الكارثية على الأنسان وعلى المجتمع الذي يبتلى به وعلى كل ما يمكن أن يمسّه العنف.
العنف هنا هو ذلك العنف الذي لا يمكن أن يلبس ثوباً واحداً أو يتخذ جنسية محددة والذي يتربى في أماكن متفرقة من العالم لكننا نشعر به قربنا ونتخوف من مخاطر إنفلاته

تمكنت سوزان بيير وعبر انتقالاتها من بيئة الى أخرى ، من أشعارنا أن العنف الذي يحدث في السودان أو المناطق المنكوبة بالصراعات والتطهير العرقي في أفريقيا لا يختلف كثيراً عن العنف الأجتماعي وتزايد النزعات العنصرية واليمينية المتطرفة في أوربا أو في بلد كالدنمارك أو العنف المنتشر في المدارس ، أو العنف الألكتروني الذي يصدر للعالم عبر شبكة الأنترنيت وحيث أصبح من السهولة بمكان صناعة قنبلة قادرة على إشاعة الرعب وأسقاط الضحايا ، بمجرد الحصول على وصفة لتصنيع قنبلة ما  .
ما يكشفه لنا هذا الفلم ،أن العنف واحد في اي مكان من هذا العالم ، فالهدوء والسكينة التي قد تنعم فيها بلاد كالدنمارك تخفي الكثير من العنف الذي يحكم ناسها وسط فوبيا الأجانب الذين يشوهون النقاء الأثني الخالص في الدنمارك !!!! حتى لو كانوا من  بلاد اوربية لا يفصلها عن الدنمارك سوى جسر واحد كالسويد ،على سبيل المثال، لها نفس اللغة وتتشارك في الكثير من التقاليد والممارسات الاجتماعية والثقافية ولعل حالة الطبيب السويدي في هذا الفلم تشكل حالة مخيفة وتثير الكثير من علامات الاستفهام والغموض حول المجتمع الدنماركي ونظرته للأجانب وكيفية تعاطيه معهم والتي تبرزها المخرجة في شخصية الميكانيكي الغليظ واستعداده لممارسة العنف الجسدي ضد الطبيب السويدي لمجرد معرفته إنه سويدي .
لقد تمكنت سوزان بيير من تسليط الضوء على الصراع المدمر في دارفور وكيف يتحول الأنسان وحياته ومستقبله واستقراره الى رهينة بيد أطراف الصراع الذي تحول الى حريق كبير يلتهم كل شيء . تسليط الضوء على شخصية الزول الكبير وهو قائد احدى الجماعات المسلحة التي تنتهج العنف المسلح وتمارس القتل والإغتصاب والتشريد ، جعلنا في مواجهة العنف مجسداً في شخصٍ يثير الرعب في قلوب الأبرياء حيث تم تصويره بصورة بشعة تنسجم مع ما يمارسه من قتل وتهجير واغتصاب .أذ أظهرته لنا كشخص رث ومذعور وبخلقة بشعة ، تعتاش الديدان على جراحه المتقيحة التي لا يتمكن من معالجتها دون الوصول الى طبيب معسكر اللاجئين ، لكنه يتحدث اللغة الأنكليزية بطلاقة في أشارة واضحة من المخرجة الى المتورطين في العنف وجرائم الأبادة وان تلك الجرائم لاتقتصر على الناس الذين يغرر بهم من قبل جهات معينة  .
ومثلما جعلتنا المخرجة إزاء العنف المسلح بكل أشكاله وما يخلفه من ضحايا عبر حياة اللاجئين ومخاوفهم والضحايا الذين يتم جلبهم الى عيادة الطبيب ، فإنها جعلتنا كذلك وبشكل سريع في مواجهة عنف من نوع آخر ، هو العنف المدرسي ، عنف التلاميذ ورغبتهم في محاربة كلّ غريب أو أيّ شخص آخر خصوصاً الطفل ” الياس ” أبن الطبيب السويدي الذي يواجه أبشع الشتائم والإهانات كل يوم . وحيث نكون في مواجهة ” كريستيان ” الطفل الغاضب الذي تتوفى والدته في لندن بعد أصابتها بمرض السرطان فينتقل للعيش مع والده وجدته في الدنمارك ويتم نقله الى إحدى المدارس ومنذ اللحظة الأولى لدخوله المدرسة يصدمه مشهد التعامل المهين الذي يتعرض له ” الياس ” على يد التلميذ ” سوفوس ” ومجموعة من التلاميذ . ولكنه لا يصرّح بما يعتمل بداخله من مشاعر كثيرة وساخطه ضد والده ولا يتردد عن التصريح بأنه يكره والده ، لدرجة أن يقوم بضرب والده في مشهد مثير ومتهماً اياه بالمسؤولية عن وفاة الأم  .
إن ” كريستيان ” هو الطفل الذي تصنعه التكنلوجيا أكثر مما تصنعه العائلة نرى بأن لديه ميولاً للعزلة عن عائلته الصغيرة وجلّ إنشغالاته هي الألعاب التكنلوجية والكومبيوتر وتصفح الأنترنيت وقطع أي محاولة يقوم بها والده للتقرب منه أو الحديث معه بشكل متواصل لفترة من الوقت .. ” كريستيان والياس ” هم اطفال اليوم .. أطفال ما بعد الحداثة ، او بعبارة ادق اطفال العالم الافتراضي .
علاقة الصداقة ما بين كريستيان والياس ستكون مفتاح الفلم لولوج عالم العنف وإبرازه كحقيقة إجتماعيه لا يمكن حجبها حتى فيما يطلق عليه بعلم السياسة  ” مجتمعات الرفاهية ”  . يتمكن كريستيان من إقناع الياس بأن الثأر هو الرد الأنسب على كلّ الإعتداءات التي يمكن أن يتعرضا لها وهذا ما تحقق في مشهد إنقضاض ” كريستيان ”  على  ” سوفوس ” الذي لحق ” ألياس ” الى حمامات المدرسة بعد أن اهانه في ساحتها ولكن كريستيان يلحقه كذلك وينهال عليه ضرباً بعصى كان يخبئها في حقيبته المدرسية ومن ثم يضع على رقبته سكينا ويهدده بالقتل أن كرر إعتداءاته على ألياس أو أيّ تلميذ آخر .
نجح التلميذ كريستيان في إيقاف العنف الذي يتعرض له الياس ولكنه فتح أمامنا مساحة من المخاوف التي تعتمل في دواخل والده ووالدة صديقه ، الطبيبة التي تعيش حياة زوجية مهددة بالانفصال عن  زوجها ، ولكن تلك المخاوف لم تمنع التلميذين من الإقدام على إرتكاب عنف أشد وطأة في محاولة منهم للثأر من إعتداءات مصلّح السيارات ” لارس ”  ضد والد الياس الذي تعرض للصفع وبقسوة من قبل لارس بسبب شجار اطفالهما في ملعب للأطفال . ومن ثم صفعه مرة اخرى ولعدة مرات عندما حاول الطبيب السويدي( آنتون) إقناع الأطفال بأنّ مَنْ يقدم على إرتكاب العنف كما يفعل لارس فأنه سيكون الخاسر . لكن تلك المحاولات لم تكن لتقنع الأطفال الذين شعروا بالمهانة وهم يشاهدون والد الياس يصفع بقوة من قبل لارس . وحيث يقترح كريستيان على الياس القيام بتفجير سيارة لارس لأخذ الثأر منه جراء اعتدائه على والده ، فيقومان ووسط تردد ألياس وخوفه من نتائج ما يقومان به ، بصنع قنبلة ويضعانها تحت سيارة لارس في صباح باكر ليوم الاحد حيث الناس نيام كما قال كريستيان وبعد ان أشعل الياس فتيل القنبلة يكتشف ان ثمة امرأة وطفلتها يمارسون رياضة الركض ويقتربان من السيارة التي ستنفجر ، فيحاول ايقافهما في نفس اللحظة التي تنفجر فيها السيارة فيكون هو المصاب الوحيد وسط صراخ كريستيان الذي يطالب بإحضار سيارة الإسعاف .
شعور كريستيان بالخوف وانه المخطئ في كل ما تعرض له صديقه دفعه لعزلة أكثر ، خصوصاً بعد أن تلقى تأنيباً شديداً من والدة الياس التي قالت له إنّ مكانه لدى الشرطة وليس في المستشفى حيث حاول زيارة صديقه المصاب . كل ذلك يدفعه للإقدام على الانتحار ومن مكان مرتفع يطل مباشرة على المكان الذي انفجرت فيه سيارة لارس . لكن والده الذي يبلغ الشرطة من اجل البحث عنه كان يجهل مكانه فيتصل بوالدة الياس التي عادت علاقتها مع زوجها في مشهد قصير جدا ولكنه حمل الكثير من المشاعر الحميمة واللهفة والشوق المتبادل بين الزوجين . فتخبر زوجها الذي يعثر على ” لعبة ميكانو ” تشبه المكان الذي يقف عليه كريستيان من اجل الانتحار فيلحق به ويسحبه عن حافة البناية المرتفعة فيتحدث معه بهدوء ويخبره ان الياس بخير وانه لن يموت وسط ذهول كريستيان وعدم تصديقه . وهنا يسعى الطبيب لإيصال رسالته ضد العنف الى كريستيان وإقناعه ان الإقدام على العنف لا يولد الا العنف وان الرد بالمثل سوف يجعلنا نخسر الكثير .
لم يكن العنف المسلح الذي سيجتمع مع العنف الاجتماعي والتربوي والإلكتروني في حادثة تفجير السيارة من قبل الاطفال سوى احد أخطر أشكال العنف وربما هو تجسيد للفشل الذريع الذي تواجهه البشرية ونظم التربية والتعليم والعلاقات الاجتماعية في الحد من مخاطر العنف الاجتماعي والعنصري الذي تتزايد مدياته. وتلك هي رسالة سوزان بيير وموقفها من العنف ودعوتها للانتباه وبقوة لهذه الوقائع  .
الثأر، الفلم الذي حصل على أوسكار أفضل فلم أجنبي في عام 2011 وكذلك جائزة الكولدن كلوب لنفس العام ،من إخراج سوزان بيير التي سبق لها وان قدمت عدداً من الأفلام الناجحة التي أفرزتها كمخرجة مقتدرة حققت حضوراً جيداً على صعيد العالم او على صعيد الدنمارك كفلم ” الاخوة ” وفلم ” أشياء خسرناها في النار ”  وغيرها من الافلام ، ورغم انه لم يقدم لنا إجابات محددة عن العنف ومصادره الا إنه يجعلنا أمام تحفة سينمائية تستحق المشاهدة تكاد ان تكون مكتملة العناصر ،القصة والموسيقى والتمثيل والإخراج والمؤثرات الاخرى التي اغنت الفلم وجعلته بمصاف الأفلام الكبرى التي نادراً ما تنتجها ستوديوهات شركات الإنتاج السينمائي .
شارك في تمثيل الفلم :
Trine Dyrholm والدة الياس-   Ulrich Thomsen والد كريستيان-  Markus  Rygaard ألياس-   ، William Johnk Nielsen كريستيان-  Mikael Persbrandt الطبيب أنتون .

* عرض الفلم بعنوان آخر : في عالم أفضل In a better world . هذه القراءة تعتمد على مشاهدة نسخة الفلم المعروضة في الأسواق الدنماركية .

 

شاكر الناصري

عن admin

شاهد أيضاً

بنغلوريات – حكمت حسين

  شذى حسين ، صبية في العشرين ، تعيش في مدينة بنغلور منذ اشهر لتلقي …

2 تعليقان

  1. Greetings! Very helpful advice on this article! It is the little changes that make the biggest changes. Thanks a lot for sharing!

  2. Hello there, simply was alert to your weblog via Google, and located that it’s really informative. I’m gonna watch out for brussels. I’ll appreciate if you happen to proceed this in future. Numerous other people will probably be benefited out of your writing. Cheers!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.