الخميس , مايو 24 2018
الرئيسية / مقالات / مقالات سياسية / العراق من صدام المجيد الى نوري الاشتر – زكي رضا

العراق من صدام المجيد الى نوري الاشتر – زكي رضا

لم تنحسر العشائرية طيلة تاريخ العراق الحديث بشكل كبير ومحسوس الا خلال فترة ثورة الرابع عشر من تموز 1958، وجاء هذا الانحسار كمحصلة طبيعية للتطورت الاقتصادية والاجتماعية التي بدأت مع الثورة وانتهت اجتماعيا على الاقل باغتيالها صبيحة الثامن من شباط الاسود 1963. وانحسار العشائرية لم تأتي من زيادة القاعدة الاجتماعية للنظام حينها والتي توسعت نتيجة اصطفاف السلطة الى جانب المهمّشين والفقراء والنازحين من ظلم العلاقات العشائرية الاقطاعية فقط، بل تجذّرت اكثر بحزمة من القوانين الحكومية التي رسخّت العلاقات المدينية من التي عملت على تفكك النظام العشائري المدعوم بقوة “لليوم” من المؤسسة الدينية الى حدود كبيرة، كقانون الاصلاح الزراعي والغاء قانون دعاوى العشائر. ونتيجة لاصطفاف قوى عديدة ضد الثورة حينها فان التجمعات المحلية لابناء بعض البلدات والمدن وحتى القرى والمدعومة بتكتلات سياسية اقليمية ناصبت ثورة تموز العداء منذ يومها الاول، وجدت لها ارضية مناسبة في القوات المسلحة العراقية لتترجمها لاحقا واثر محاولات عدة بانقلاب عسكري لتنتعش العلاقات العشائرية ثانية ، بعد ان امسكت هذه المجموعات السلطة بقوة وهيمنة عشائرها.

لقد بقي الصراع العشائري كامنا بين انقلابيي شباط المنحدرين على الاغلب من القرى والبلدات في تكريت والرمادي لفترة امتدت الى ما يقارب العشرة أعوام عندما حسمها البيكات لصالحهم نهائيا، بعد ان ظلت السلطة في عشيرة الجميلات التي ينحدر منها الاخوين عارف منذ شباط 1963 وحتى تموز 1968 ، واحتاج حزب البعث الذي طغى عليه العنصر “السني” مقارنه “بالشيعي” ساعة انقلاب شباط الى ما يقارب الخمسة سنوات بعد تموز 1968 ليحسم السلطة بالعراق ويحولها الى سلطة عشيرة لتختصر لاحقا الى سلطة عائلة ففرد جسّده الدكتاتور صدام حسين بنرجسية عالية حتى ساعة هروبه المخزي، وذلك اثر محاولة مدير الامن العام حينها المجرم ناظم كزار “شيعي” الانقلاب على رفاقه في 30 حزيران 1973. علما ان نظام البعث بعد 1968 قد قلص دور العشائر العراقية “الشيعية خصوصا” الى حدود ضيقة جدا قبل ان يطلقها من قمقمها بعد اندلاع الحرب الصدامية الخمينية لحاجته الى وقود بشري لها وفّرته بذل كبير قيادات عشائرية ومنها جميع العشائر الشيعية اسوة بالسنية ودون اي استثناء، ومن هذه العشائرعشيرة آل مالك التي يتغنى بامجادها نوري المالكي اليوم عازفا على نغمتها العشائرية لحنا طائفيا نشازا ومقززا بعد ان انحسرت قاعدة سلطته الاجتماعية على قسم من شيعة العراق فقط. فهو اليوم ليس رئيسا لوزراء سنة العراق ولاكورده ولامسيحييه الذي سيغادرون العراق عن بكرة ابيهم عنوة نتيجة سياسة التمييز الديني ضدهم ولا بقية مكونات شعبنا ونسبة كبيرة من شيعته، وهذا ما جعله ان يتجه نحو ابناء عشيرته ليبدأ من عندهم حملته الانتخابية ليخطب فيهم خطابا تتزاوج فيه العشائرية باقبح صورها والطائفية بارذل اشكالها وكأنه يريد ان يدخلنا في حرب جمل جديدة او صفّين اخرى. في توجه يشير الى ضعف الدولة كون الدولة القوية ذات المؤسسات تضعف في عهدها العشائرية، أما الدولة الضعيفة كالتي يقودها المالكي فانها تكون ارضا خصبة للعشائرية التي تهيمن حتى على مؤسسات يراد لها ان تكون وجها ولو شاحبا للديموقراطية، وما التهديد باللجوء الى الفصل العشائري بين نواب ما يسمى بالبرلمان العراقي اثر كل نزاع يتم بينهم “لمصالحهم” الا دليلا على ملأ العشيرة الفراغ الذي تركته “الدولة”.

ان المالكي الذي يقود ومنذ ثمانية اعوام تقريبا بلدا فاشلا على مختلف الاصعدة لم يبدأ حملته الانتخابية من حيث بيوت الفقراء ولا من حيث مدن العراق الغارقة بمياه الامطار التي عجزت حكومته على احتوائها لاكثر من مرة، ولا من اماكن ضحايا الارهاب التي فشلت حكومته في الحد منه. بل بدأها من البصرة وبين ابناء عشيرته ومضاربهم في حنين على ما يبدو لأيام الجاهلية او صدر الاسلام في احسن الحالات تلك التي يجسدها وتحالفه الطائفي كما التحالفات الطائفية الاخرى في خراب البلد، ولم يكتف بخطاب عشائري هناك بل زاوج عشائريته بطائفية معروف بها، عندما تغنى بنسب عشيرته وارومتها وانحدارها من نسل “مالك الاشتر” الذي قاتل تحت راية الامام علي “ع” في جميع معاركه ومنها الجمل وصفين، وما لهاتين المعركتين من اثر كبير في التراث الشيعي على بسطاء الشيعة. مذكرا اتباعه وهو في بداية حملته الانتخابية من انه شيعي وحفيد مالك الاشتر ولن ينسى اصحاب الجمل وصفين الذين ناصبوا الامام العداء، وبلغة اخرى فان اصحاب الجمل وصفّين هم سنة العراق والذي على الشيعي ان ينتخبه لانه اليوم “نوري الاشتر” وهو من سيقوم بملاحقة اعداء الامام علي اينما كانوا، كما كان بالامس مختار العصر الذي جاء ليقتص من قتلة الامام الحسين “ع” في العراق، واذا كانت البطحاء لم تلد رجلا “كمالك الاشتر بالامس!!” فان بطون العراقيات جفّت بعد ولادة حفيده “نوري الاشتر” كما جفّت عهد الدكتاتور الذي سبقه صدام المجيد فهل هناك طائفية وعشائرية اكثر مقتا من طائفية وعشائرية المالكي، وهل هناك نرجسية اكثر عمقا ووضوحا من نرجسيته التي فاق بها حتى المجرم صدام حسين.

قال المالكي في خطابه العشائري الطائفي في البصرة ” ان الذين لا يحسنون التعامل مع النعم يسيئون اليها” متناسيا انه اساء الى كل العراقيين ونعمهم بعد ان سرقت واهدرت حكومة المحاصصة بقيادته مئات مليارات الدولارات من عائدات النفط وبالتالي يعتبر المسيء الاكبر في عدم تعامله بثروات “شعبه” بشكل عقلاني لبناء “بلده”. ليضيف في مكان آخر من خطابه الى ان ” البعض يدّعي ويضلل لكسب صوت الناخب وسلبه ارادته، كوننا على ابواب الانتخابات”، اهكذا يا نوري الاشتر تروى الابل فهل توزيع الاراضي على الفقراء بعد خطابك يعتبر رشوة لشراء اصوات الناخبين ام انك اكتشفت فقر “شعبك اليوم فقط؟ واستمر نوري الاشتر في خطابه الديماغوجي ليحذر من ان “يكون الصوت بلا ثمن او وعي او ارادة، فانه سيكون شهادة زور”، كيف يكون بلا ثمن ايها السيد رئيس الوزراء وقد دفعت لهم اثمانها مقدما، قطع اراض وخطاب طائفي مشحون بالكراهية.

وبدلا من ان يتجه “نوري الاشتر” في خطابه للتهدئة مع “خصومه” من اجل بناء الدولة التي لايريدها “ضعيفة ومهانة مثلما قال” وليقوي جبهته الداخلية بفتح حوار سياسي بناء مع مختلف الفصائل السياسية، نراه يفتح جبهة ضد الكورد شركاؤه في حكومة المحاصصة عندما قال “ان العراق سيكمل مشوار تسليح الجيش حتى لو عارض هذا التوجه بعض اصحاب الاجندات”. هل الكورد هم الوحيدون الذين لهم اجندات في البلد؟ وماذا عن سنة العراق؟ وماذا عنكم ايها السيد رئيس الوزراء وكيف تفسرون زياراتكم لطهران وبقية اقطاب تحالفكم كلما اقتربت مواسم الانتخابات، ولماذا لاتتشكل الحكومة في بغداد بعد انتهاء الانتخابات الا بزياراتكم “بربطة المعلم” لطهران ومباركتها بعد ذلك في حسينية جماران حيث الولي الفقيه؟ ان الذي بيته من زجاج ايها السيد رئيس الوزراء لايرمي بيوت الاخرين بالحجر.

ان المالكي في خطابه أكّد على غياب المؤسسة الامنية والعسكرية في حكومته وضعفهما عندما قال ان ” بعض المحافظات كانت اسيرة بيد الارهاب والقاعدة والعشائر العراقية هي من حرر هذه المناطق من كيد الارهاب”، وبالتالي لانفهم اصرار المالكي على تسليح الجيش العراقي اذا كانت العشائر قادرة على القيام بمهمات الجيش، كما لازلنا لانفهم اسباب وجود وزارة الداخلية بتشكيلاتها اذا كانت عاجزة عن اعتقال فرد واحد عندما اظهرت عجزها باعتقاله تاركة الامر لاحمد الاشتر.

ان الذي يقوم ببناء الدولة العراقية اليوم هو الارادة السياسية وليست الارادة العشائرية كما يريدها المالكي، ان الذي يقوم ببناء الدولة العراقية اليوم هو الخطاب الديني العقلاني وليس الطائفي بنبش التاريخ والبحث بين ثناياه عن معارك كانت سببا ولليوم في عشرات المجازر التي مرّت على العراق، لابمالك الاشتر ولا بمعاوية بن ابي سفيان نبني الوطن، بل نبنيه بعقول وسواعد نساء ورجال همّهم خدمة وطنهم وشعبهم والرقّي بهما فهل بين من يحكم العراق اليوم امثال هؤلاء؟

كأني ارى الامام عليا ع” اليوم مخاطبا شعب العراق بعد ان خدعهم المالكي وامثاله من الطائفيين يوم قال ..

“أيتها الامّة التي خُدِعت فانخدعت، وعرفت خديعة مَن خَدعها فأصرّت”

زكي رضا

الدنمارك

5/12/2013

عن admin

----------------------------------------------