الخميس , نوفمبر 23 2017
الرئيسية / مقالات / مقالات ادبية / أكادير ديالِي ـ حكمت حسين

أكادير ديالِي ـ حكمت حسين

أكادير ، هكذا يكتبها المغاربة وليس اغادير كما تعلمنا ان نكتبها ونقراءها ، وهي كلمة أمازيغية تعني الحصن المنيع . تقع مدينة أكادير على سلسلة جبال الأطلس الكبير على ساحل المحيط الأطلسي  ، بناها البرتغاليون عام 1500 م ، ويبلغ تعداد سكانها أكثر من 200,000 للمدينة نفسها و 1.000,000 نسمة لمقاطعة سوس ماسا درعة حسب تعداد 2008 المتضمن بلدتي إنزكان وأيت ملول المجاورتين .
في 29 فبراير 1960  دمر زلزال كبير المدينة بشكل شبه كامل وفي 15 ثانية دفن 15.000 شخص تحت الأنقاض ، انخفض عدد السكان ليصل إلى 16.000 نسمة ، بعد أن كان حوالي 45.000 نسمة قبل الكارثة . وبنيت أكادير الجديدة على بعد 2 كم جنوب المدينة القديمة ، وتتميز المدينة الجديدة بشوارعها الفسيحة وبناياتها الحديثة ومقاهيها ، ولا تبدو كالمدن المغربية التقليدية ، وهي ثاني مدينة سياحية بعد مراكش لشواطئها الزرقاء وسمائها الصافية .
ما يميز مدينة أكادير هو طقسها المعتدل ، وطول شاطئها الممتد على مساحة 30 كيلومتراً ، ورمالها الذهبية ، وشمس مشرقة لـ 300 يوم في السنة ، وهذه الميزة هي التي جعلتها تحتل مكانة سياحية ممتازة ، بالإضافة إلى مرافق لممارسة الأنشطة الرياضية مثل الغولف وكرة المضرب والفروسية وغيرها ، دون إغفال مرافق العلاج الصحي التي تعد من أكبر وأهم المنتجعات الصحية في المغرب وإفريقيا ، خصوصاً في مجال العلاج بمياه البحر ، وينتشر النخيل في كل مكان في أكادير وبارتفاعات مختلفة .

رغبة زيارة المغرب قديمة ولكن للأسف لم تتحقق سابقا ، لاني ومنذ 2003 استخدمت اجازاتي السنوية لزيارة العراق ، وحانت الفرصة في الاسبوع الاخير من شباط الماضي مع رفقة طيبة من اصدقاء اعزاء . كنا اربعة ، هاشم وقاسم لهما زيارات سابقة للمغرب عموما ولمدينة أكادير خصوصا ، وانا وسامر نزورها للمرة الاولى .

في الطائرة من كوبنهاكن الى أكادير رافقتنا مجموعة من الشابات العربيات من الصف التاسع من احدى مدارس كوبنهاكن ، كُنَ في رحلة مدرسية ، فرحات جدا ، أضفن جو من المتعة على الرحلة ، اضافة الى لقاء مع سيدة دنماركية اسمها انغا ، تزور المغرب للمرة الثلاثون ، قدمت لنا معلومات سياحية تفصيلية عن أكادير ، وكان صديقي سامر يسجل ذلك في اجهزته الالكترونية المتعددة التي ترافقه في كل مكان وزمان .

اول ما تلاحظه هو اختلاف واضح في مفردات اللغة العربية ، المغاربة يستخدمون لغة عربية قديمة جدا ، لذلك لاتستطيع الا ان تضحك عندما تواجهك مفردات تختلف في معناها عما تعودنا عليه ، امثلة محدودة :
في استمارة الدخول التي على الزائر املائها يوجد سؤال بعد الاسم الاول واسم العائلة يقول مكان وتاريخ الازدياد ، الازدياد بمعنى الولادة ، وكما يقول هاشم : انك وُلدت زيادة على من قبلك في الحياة . المحطة الطرقية ، وتعني مواقف انطلاق سيارات النقل بين المدن . مراحيض بالمقابل ، وتعني ان تدفع مبلغا مقابل استعمال التواليت . طاكسي بدلا من تاكسي .

رغم ان لغة الدولة هي العربية ، لكنه لازال هناك استخدام واضح الى اللغة الفرنسية ، في استمارة الدخول في المطار هناك ثلاث لغات ، العربية وتقابلها الفرنسية ، وبخط اقل حجما بالانكليزية . كتبت المعلومات المطلوبة باللغة العربية ، ولكن موظف الجوازات عبر عن رغبته لو كتبتها بالفرنسية او الانكليزية  ، وعاد كتابة المعلومات باللغة الفرنسية ووافق على دخولي للمغرب .
ووقعنا انا وسامر عقد ايجار السكن الذي اخترناه ، وكان باللغة الفرنسية ، دون ان نعرف مضمون العقد . قاسم قال مازحا : ربما هذا عقد زواج ، ابتسمت بشرى موظفة مكتب الايجار مع نظرة ودودة نحو قاسم .

متعة التجول في المدينة نهارا ، وعلى كورنيش البحر مساء ، متعة كبيرة جدا . في النهار تتعرف على اسواق المدينة وابرزها سوق الاحد وهو سوق كبير يسمى بالاحد لانه يفتح قديما في ايام الاحاد فقط ، ولكنه الان يفتح كل ايام الاسبوع عدا الاثنين ، مُسيج بجدار عال مبني على الطريقة المغربية القديمة وله 12 مدخلا ، ازقته عديدة ومتعامدة ، وتجد فيه كل شيئ ، البائعون يدعونك بلطف واصرار الى زيارة محلاتهم ، ويمكنك النقاش حول السعر حتى يمكنك شراء السلعة بأقل من نصف سعرها الاول . اما اسواق مرجان فهي على النمط الاوربي وتشبه اسواق البيلكا في الدنمارك .
هناك متعة اخرى وهي قراءة جريدة الصباح مع فنجان قهوة في مقهى ” لافونتيا ” في شارع الحسن الثاني او تناول الفطور مع اصوات موسيقى عربية متنوعة في درجة حرارة 24 مئوية ، تشعرك بسعادة وراحة جميلتين .
في المساء وعلى كورنيش البحر تشاهد مطاعم ومقاه عديدة ، مملؤة بالزبائن ، عوائل وشباب وشابات واطفال وسواح يتجولون ذهابا وايابا حتى وقت متأخر من المساء ، خاصة ان ايام زيارتنا ترافقت مع وجود القمر مضيئا في سماء أكادير . بحثنا عن مطعم على الكورنيش باسم ” روما بيتزا ” وفشلنا في العثور عليه ، وبعد مساعدة من آخرين اشاروا الى هدفنا وهو مطعم نقف بالقرب منه . اتضح ان اسم المطعم هو ” فينيسيا بيتزا ” لكن سكان اكادير يسمونه ” روما بيتزا ” .
من كل مكان من الكورنيش واماكن اخرى من المدينة نشاهد منطقة القصبة التي تسمى محليا ” اكادير اوفلا ” وهي تقع على جبل شمال أكادير ، ولها تاريخ حافل من الحروب بين البرتغاليين والمغاربة . القصبة تطل الآن على مدينة اكادير بالشعار الكبير والمضيئ ليلا وهو ” الله ، الوطن ، الملك ” .

وادي الطيور ، حديقة حيوان مصغرة تهتم بكل أنواع الطيور وبعض الحيوانات الأخرى ، تقع على بضع خطوات من الشاطئ ، تجلب إليها الصغار والكبار على حد سواء لما تقدمه من معلومات تخص الطيور وأنواعها وهجرتها . شاهدت من سياج وادي الطيور حيوان الماعز باحجام مختلفة ، ليس الا .

في اشارات المرور ، عند  غالبية تقاطعات الشوارع ، تجد اشارات توقف وانطلاق للسيارات فقط ، وليس للمشاة ، فعندما تتوقف السيارات يعبر المشاة دون اية اشارة خاصة بهم . القليل فقط يلتزم باشارات المرور .

مكتبة ووراقة القراءة للجميع في شارع الحسن الثاني متنوعة المحتوى بالمعنى الكامل رغم صغر مساحتها ، في الطابق السفلي تلتقي بالشاب مأمون عامل المكتبة ليجيبك على كل الاسئلة ويحاورك في مضامين كتب متنوعة في التراث والثقافة والدين ، لديه ثقافة واسعة جدا رغم انه لم يبلغ الثلاثين بعد ( كما يبدو ) ، تجد كتاب اسلامية في الجهة اليمنى وتعثر على كتاب الشخصية المحمدية لمعروف الرصافي في الجهة اليسرى . اشتريت رواية نيسان com   لاحلام مستغانمي وكتاب العراق هوامش من التاريخ والمقاومة لعبد الرحمن منيف . اشتريت ايضا هدية الى صديقي العزيز خضير كتاب الاغاني لابي الفرج الاصفهاني باجزائه الخمس والعشرين ، وكان فرحا ومُحرجا ، لاني حملت هدية من 18 كيلو غرام ، انا كنت سعيدا لاني قدمت له هذه الهدية .

على يمين مدخل ” معرض ذاكرة أكادير ” توجد لوحة حجرية فارغة في وجهتها المواجهة للزائر ، لكنها في جهتها الاخرى تشير الى المعرض ، وهو لصور أكادير في مراحل ثلاث ، قبل واثناء وبعد الزلزال عام 1960 ، مبنى المعرض جزء من حديقة اولهاو ، وتسمى حديقة العشاق .
هناك ايضا المتحف البلدي للتراث الامازيغي لأكادير وقد انشأ في عام 2000 في الذكرى الاربعين لزلزال أكادير ، يحوي المتحف على حلي ومخطوطات قديمة تشير الى غنى تاريخ المنطقة .

بمناسبة ذكرى الزلزال يوم 29 شباط نظمت مجلة أكادير اوفلا معرض فني مشترك للفنان عبد الله اوريك والفنانة شانطال ترونيكت باليستر ، احتوى المعرض على لوحات فنية قديمة وجديدة لكلاهما ، اضافة الى اعمال نحتية للفنانة شانطال ، كتبتُ في سجل الزوار اعجابي باستخدامها لون ازرق متميز جدا ، فولدر المعرض كُتب باللغات الفرنسية والعربية والامازيغية .

من عناوين صحيفة الصباح الحكومية يوم 2 آذار : “الناطق باسم الحكومة : لم نأت لنتنازع مع الملك “،” جماعة متطرفة تهدد المغرب بعمليات دموية “،” النساء يطالبن بخدمات عمومية افضل “،” وزير التعليم : الحكومة ستستقيل اذا فشلت في محاربة الفساد ” .
صحيفة المساء المعارضة التي يرأس تحريرها رشيد نيني وهو معتقل لازالت تفرد مساحة لعموده في الصفحة الاخيرة مع صورة شخصية له ، العمود اسود تتوسطه عبارة ” رشيد نيني خلف القضبان دفاعا عن حرية الكلمة ” ومن عناوين الصحيفة ” المطالبة باطلاق اسماء نسائية على مرافق عامة “،” ضحايا الارهاب في أقسام الولادة يتظاهرون في مراكش “،” المطالبة بادراج ملف مفقودي الصحراء في مفاوضات مارس المقبلة “،” تقرير اممي يضع المغرب على رأس البلدان المنتجة للحشيش في العالم ” .

في يافطة امام مدخل سينما ” ريالطو ” كتب : ” يمنع دخول الاطفال نهارا اقل من 6 سنوات وليلا 10 سنوات ومن هم في حالة سُكر ” ، وكتب ايضا في لوحة بناء جامع لبنان ان الملك اطلق اسم مسجد لبنان بمناسبة ذكرى انعقاد المؤتمر الاسلامي الاول في الرباط عام 1969 .

زرنا مدينة مراكش التي تبعد حوالي ثلاث ساعات لمدة يوم واحد ، وكان لها طعم خاص . تأسست في العام 1070 ميلادية ، جدران مبانيها القديمة والجديدة حمراء ، وتتميز بكثرة مستخدمي الدراجات النارية وخاصة من النساء ، وحسب هاشم فان هذه الظاهرة موجودة فقط في مراكش . فيها احياء حديثة  ومركزها ايضا حديث ، وكذلك احياء قديمة ذو ازقة ضيقة تشابه أزقة مدينة النجف ، سوقها القديم والكبير ذا فروع متعددة يصعب معرفة اتجاهاتها ، ضايقني واخافني كثيرا اثناء السيرفي الأزقة سرعة حركة راكبي الدراجات دون اعتبار لضيق الزقاق او الازدحام .
تجولنا  بمتعة في ساحة الفنا وهي فناء واسع يعتبر القلب النابض لمدينة مراكش ، تمنحك فرصة اللقاء بمربي الافاعي والقرود والسحرة ، والفرق الموسيقية التراثية ، والباعة المتجولون ، والمطاعم المكشوفة والتي يتسابق عمالها لكسب الزبائن لهم ، ليجلسوا على مصاطب متلاصقة ، ليتناولوا المشويات من الاسماك واللحوم . الساحة تنام في وقت متأخر بعد منتصف الليل ، وفي احد الشوارع الفرعية بدأ الباعة المتجولون افتراش بضاعتهم بعد الساعة العاشرة مساء .
في مركز الصناعات الشعبية ، استمتعنا برؤية المنتجات اليدوية في محلات صغيرة تشمل اعمال الرسم والخط ، صناعة الآت موسيقية صناعة جلود ، نسيج ، معادن . هذا المركز برعاية الدولة لذلك لايمكن النقاش حول الاسعار مثلما يحدث في كل الاسواق الاخرى .

الشيئ المزعج في أكادير ومراكش ، ويبدو انه يشمل كل المدن المغربية ، هو ظاهرة عدد المتسولين الكبير ومن كل الاعمار ومن كلا الجنسين ، الغريب انك لاتستطيع تمييز المتسولين من مظهرهم الخارجي كما هو الامر في العراق ، لانك تفاجأ بسيد او سيدة بمظهر اعتيادي ويسير مثلك في الشارع ، يمد يده لك بشكل مفاجئ ، ولاتعرف كيف ترد على هذه المفاجأة .

كلمة ديالِي بالعامية المغربية تعني بالعامية العراقية ” مالتي ” واخترتها لاقول ان هذه أكادير التي عرفتها .

كانت سفرة اسبوع قصيرة وممتعة ، وبرفقة طيبة ، وطقس جميل ، عرفتني بعض الشيئ عن المغرب والمغاربة ، اتمنى لكم مثلها ، واذا رغبتُ في زيارة ثانية الى المغرب فسأختار مدينة من الشمال مثل طنجة او غيرها ، هذا بعد ان ازور اسبانيا وايطاليا .

حكمت حسين
15 آذار 2012

 

عن admin

شاهد أيضاً

بنغلوريات – حكمت حسين

  شذى حسين ، صبية في العشرين ، تعيش في مدينة بنغلور منذ اشهر لتلقي …