الثلاثاء , سبتمبر 19 2017
الرئيسية / مقالات / مقالات ادبية / أفق تأويلي لمعنى الوجود – محسن الذهبي

أفق تأويلي لمعنى الوجود – محسن الذهبي

عماد نافع يستدعي الحلم لخوض مغامرة المغايرة

نرى الإضاءة تجري من اللون الأخضر الذي يطغى على أغلب أعمال الفنان عماد نافع بشفافية واضحة

علينا أن نسلم أولا بأن ليس كل ما يقدم للجمهور من فنون يتفاعل مع قضايا الإنسان، إنسان اليوم المأزوم بجملة من المشاكل اليومية فكرية، اقتصادية، اجتماعية. ذلك الإنسان الذي افتقد الحلم وعاش مع همه يحتاج إلى من يعيد إليه جزءا من حلمه المفقود.
الفنان هنا يحتاج إلى رؤيه منفتحة على الآخر وخيال مبتكر بالإضافة إلى شجاعة في الطرح، كي لا يخلق شيئا منعزلا بل يجاهد أن يجعل المشاهد أكثر انفتاحا ووعيا بذاته.
يقول المؤلف الموسيقي جون كيج “موسيقى جديدة، إصغاء جديد. مامن محاولة لفهم شيء مما يقال، لأنه إذا ما قيل شيء، فسوف تعطي الأصوات أشكال الكلمات. يكفي مجرد الانتباه إلى فعل الأصوات ذاتها.”
هذا ما تؤكده أعمال الفنان العراقي عماد نافع، في أعماله الأخيرة التي تحاول أن تجسد واقعية وخيالية العمل الفني في ذات الوقت، باستغلال إمكانية الضوء والظل كوسيلة لكشف الجوانب الشاعرية والسمو الروحي عبر تجسيد حجم المكان والأشكال والثيم التشخيصية الأخرى.

إننا نرى الإضاءة تجري من اللون الأخضر والذي يطغى على أغلب أعماله بشفافية واضحة، فيما يبقى الظل أكثر كثافه لتوكيد قيمته الفنيه الخاصه مما يميزه في خلق عوالمه الداخلية المرتبطة في بنيتها، وليس باتباع قواعد أسلوبية محددة. إنما تمتلك لغتها وغناها الروحي عبر التطابق بين مجموعة الإشارت والانسجام في توظيف هذا النقاء الروحي كقيمة جمالية فتوحد الحركة هنا ينظم العلاقة المكانية ويبرز جوهر هارمونية اللون الأخضر وعلاقته بخلق أجواء روحية فيضية تشكل جوهر العمل الفني من خلال التناسق بين الألوان لإيجاد ذلك التوازن الخفي الهادىء رغم تعدد النبرات والأحاسيس.
فالتضاد اللوني عند الفنان ناتج عن علاقة تفاعلية بين المعتم والمضيء، إنه يحاول أن يجعل الضوء وسيله درامية لتجسيد السمات الفنية في اللوحة.
إن الفنان عماد نافع يحاول جاهدا جرنا إلى عوالم تثير فينا مجموعة من التساؤلات عن إدراك مغزى طقوس أجوائه الحلمية المحاله إلى بناءات فضاءات مفتوحة المدى ليقدم بذلك رؤية جديدة لعالم أمسى يحتاج إلى أكثر من معنى وتفسح المجال لتجاوز تعثر الذات عبر تفكيك مركزية الحلم المجرد وطرحه عبر أسئلة معرفية دون الحاجة إلى تلقين أو تحول إلى صوت أيديولوجي مجمد في قوالب ثابتة. فالفنان يحاول الاغتراف من مناهل كل الثقافات الإنسانية لطرح موقفه من سؤال وجوده وأزمته الراهنة.
ففي فراغ اللوحة نرى أبعادا أخرى غير مرئية، فمن عتمة اللون عنده ينبلج النور، ومن الغموض يولد الوضوح. لتتوسع أمام العين إمكانات الرؤية والتعايش مع حلم الفنان بلغة امتاز بها، يندر أن نجدها عند غيره من أبناء جيله من الفنانين، فهو إذن يستدعي الصمت لتفكيك سر وجوده الكامن، ذلك الصمت الحلمي المسموع الصوت ليوصل لنا نداء الاحتجاج وليدعونا إلى الانفتاح على آفق تأويلي حمال للأوجه.
لقد عرفنا الفنان عماد نافع عبر معارضه المتعدده بقدرته على خوض مغامرة المغايرة للسائد والخوض في تجارب الاختلاف وفي بحثه الدائم عن متون كبرى للتأويل تحتمل الوقوف معها أو ضدها أحيانا عبر اشتغاله على جوهر الاشياء وتفحصها بمعنى مزدوج، فهو يعنى بالصورة كحقيقة أسمى لخلق أسس عالم جديد يبحث فيه بعلاقة الوجود بالموجود مستخدما الحلم في محاولة التفسير.
ولكي يكون التطابق فاصلا تجريديا فهو لا يحاول أن يرفع الغموض بل يشتغل عليه، إذ أن الوضوح لا يحقق دائما غنيمة إشراق الوجود التي حاول الفنان إبرازها بشكل ملفت.
يتساءل الفيلسوف مارتن هايدغر: “ماذا عن الوجود. هل يمكن رؤيته؟ إننا نرى موجودا، لكن هل نرى الوجود كما نرى اللون والضوء والظلمة؟ أم نسمع ونشم ونتذوق ونلمس الوجود؟ أي وجود؟ وفي أي شيء يكمن ..”، وهذا ما عمل عليه الفنان في اللجوء إلى الحلم والغموض كي يؤسس ملجأ سريا لاشتغالاته الفنيه التي تكشف عن إصراره على خلق المغايرة واستذكار الماضي ومعايشة الحاضر عبر تكثيف الوعي كي ينبعث مشروعا جديدا لمعنى الوجود وإيجاد معاني أخرى للتأمل.

محسن الذهبي
كاتب عراقي مقيم في بريطانيا

 

عن admin

شاهد أيضاً

بنغلوريات – حكمت حسين

  شذى حسين ، صبية في العشرين ، تعيش في مدينة بنغلور منذ اشهر لتلقي …